أزمة النظام، التبعية الإمبريالية والنضالات من أجل تقرير المصير - ملف صربيا - ١
مراسلات أممية
2026 / 2 / 22 - 04:47
بعد انهيار سقف محطة القطار في نوفي ساد وتصاعد الانتفاضة في صربيا، لم تكن هناك أي تغطية تقريبًا في وسائل الإعلام الرئيسية، ولا حتى في وسائل الإعلام اليسارية. كان هناك القليل جدًا من المعلومات حول ما كان يحدث بالفعل على أرض الواقع. ماذا كانت مطالب الطلاب الذين احتلوا الجامعات؟ هل يمكن وصف حكومة فوتشيتش بنظام استبدادي؟ ما هو مستقبل هذه النضالات؟
في هذا السياق، توجه وفد من اليسار المناهض للرأسمالية (الفرع البلجيكي للأممية الرابعة) برفقة لوسيان بيربيت إلى صربيا في مايو 2025 للقاء الطلاب والحركات المناضلة. كانت هذه الرحلة مهمة أيضًا للأممية الرابعة من أجل ارساء صلات في البلقان.
تطورت الأوضاع في صربيا: انتهت احتلالات الجامعات، وتم تقديم قائمة للانتخابات وبدأت مرحلة قمعية للغاية ضد حركة الاحتجاج على النظام. هكذا عدنا، في أكتوبر 2025، إلى صربيا كوفد من الأممية الرابعة (رفيقين من الحزب المناهض للرأسمالية NPAA واثنان من اليسار المناهض للرأسمالية)، من أجل ارساء صلات مع الرفاق المناضلين. بعد ذلك، توجهت رفيقة أخرى من NPAA إلى عين المكان لتغطية المسيرة الكبرى في فاتح نوفمبر/تشرين الثاني 2025. هذه النصوص المختلفة هي نتيجة هذا العمل الجماعي.
٥/١ أزمة النظام، التبعية الإمبريالية والنضالات من أجل تقرير المصير
منذ انهيار يوغوسلافيا في مطلع تسعينيات القرن الماضي، تعيش صربيا أزمة بنيوية دائمة. لم يؤد تدمير الدولة اليوغوسلافية إلى نشوء دول قومية جديدة فحسب، بل فتح الطريق أيضا أمام تطور رأسمالي متسارع فُرض تحت ضغط إمبريالي، وأعاد بشكل عميق تشكيل العلاقات الطبقية في المنطقة.
تقع صربيا التي تم إدماجها في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، في موقع نموذجي لبلد شبه-طرفي. فموقعها الجغرافي الاستراتيجي في قلب البلقان وعلى أبواب الاتحاد الأوروبي يجعلها ساحة تنافس بين قوى إمبريالية متعددة: الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، روسيا، والصين، إضافة إلى ملكيات الخليج أو المملكة المتحدة وغيرها.
مستعمرة طرَفية
لا تسيطر صربيا لا على سلاسل القيمة ولا على جهازها الإنتاجي. أدت الخصخصة الواسعة التي نُفذت منذ تسعينيات القرن الماضي إلى تصفية إرث الملكية الاجتماعية اليوغوسلافية، ونقل الثروات الجماعية إلى رؤوس أموال خاصة، أجنبية في الغالب.
في هذا الإطار، تعمل صربيا كمستودع لليد العاملة الرخيصة، وفضاء لاستخراج القيمة لصالح رأس المال الكبير، وسوق أسيرة للاستثمارات الإمبريالية. إن غياب السيادة الاقتصادية ليس حادثا عرضيا، بل هو الشرط ذاته لاندماجها التبعي في الرأسمالية العالمية.
من إعادة الرأسمالية
إلى إعادة الشكل السلطوي
ترافق الانتقال الرأسمالي، ولا سيما في عهد ميلوشيفيتش، مع انهيار اجتماعي : بطالة جماهيرية، تفاقم اللامساواة، فساد معمم، وتدمير لشبكات الحماية الاجتماعية. ولم يتحقق الوعد الليبرالي بديمقراطية مزدهرة أبدا، لأنه قام على وهم: وهم رأسمالية طرفية «رابحة».
خلق المأزق الشروط المادية لظهور نظام سلطوي - نيوليبرالي. فألكسندر فوتشيتش، الرئيس منذ عام 2017، ليس حالة شاذة، بل هو نتاج سياسي لهذا التسلسل التاريخي.
الحديث عن «نظام» هنا أساسي. فالسلطة لا تقتصر على الحكومة أو الرئاسة، بل تمتد إلى الإعلام، والقضاء، والنقابات الصفراء، والشرطة، والعمليات الانتخابية، والأطباء والمحامين، إلخ. يعمل الحزب التقدمي الصربي (SNS) تقريبا كحزب شمولي، منظِّماً نظاماً زبونيا يُشترط فيه الولاء السياسي للحصول على العمل أو المساعدات الاجتماعية أو الموارد العامة.
الانتخابات، التعبئة الشعبية وأزمة النظام
في مواجهة هذا النظام، برزت تعبئات جماهيرية مهمة، قادتها خصوصا فئات الشباب والطلبة وقطاعات شعبية. اتخذت هذه التعبئات أشكالا مختلفة بحسب المناطق، كاشفة عن ديناميات اجتماعية وسياسية متباينة.
يندرج الحراك الطلابي في نوفي ساد Novi Sad، المركز الجامعي والمدينة المندمجة تاريخيا في الدوائر الاقتصادية الأوروبية، ضمن مواجهة مباشرة للاستبداد والفساد وتدمير الخدمات العامة. وهو يعبر عن تسييسٍ جيلي، متجذر في المطالب الديمقراطية والاجتماعية.
أما في نوفي بازارNovi Pazar ، فالدينامية مختلفة. تحمل المدينة الواقعة في إقليم السنجق، ذي الغالبية البوسنية المسلمة، المهمش تاريخيا، ذاكرة ثقيلة: إقصاء اقتصادي، تمييز سياسي، وعنف رمزي ومادي موروث من الحروب اليوغوسلافية ومن قومية الدولة الصربية.
إن التعبئات التي تتطور اليوم هناك لا تندرج فقط في إطار احتجاج اجتماعي، بل في مسار تصحيح تاريخي وتقارب سياسي. إن تلاقي طلبة وناشطين من نوفي ساد ونوفي بازار يُعد حدثا سياسيا بالغ الأهمية: فهو يقطع مع عقود من التشرذم الإثني والديني والإقليمي الذي غذته النخب الحاكمة.
يعبر هذا التلاقي عن تشكيك عملي في القومية كأداة للهيمنة الطبقية. كما يطرح، بطريقة جنينية لكنها حقيقية، إمكانية تقرير المصير الديمقراطي والاجتماعي عابر للهويات، متجاوزا الانقسامات الموروثة عن تفكك يوغوسلافيا.
التناقض الانتخابي وأزمة النظام
يراهن جزء من المعارضة على المسار الانتخابي لإضعاف النظام أو إسقاطه. غير أن هذه الاستراتيجية تصطدم بتناقض بنيوي. فحتى في حال وجود أغلبية شعبية معادية للسلطة، فإن تحكم جهاز الدولة بالعملية الانتخابية يجعل أي تداول للسلطة شديد الهشاشة.
تعمل الانتخابات أكثر كآلية لإضفاء الشرعية أكثر من كونها أداة فعلية للسيادة الشعبية من خلال شراء الأصوات، الضغوط الاقتصادية، التزوير، والتحكم في فرز الأصوات.
يبقى السؤال الحاسم: ماذا سيحدث إذا رفض النظام حكم صناديق الاقتراع؟ هذا النظام في أزمة، ولم يعد قادرا على ضمان إعادة إنتاج مستقرة لسلطته.
حتى الهزيمة الانتخابية لفوتشيتش لن تعني سوى سقوط شخصية مركزية، وليس انهيار النظام، حيث ستبقى الدولة، والجهاز القمعي، والبنى الاقتصادية، والتحالفات الدولية، قائمة.
واجهة دولية
يشكل تنظيم معرض «إكسبو 2027» في بلغراد عنصرا مركزيا آخر في استراتيجية النظام. فالمعرض، الذي يُقدَّم كفرصة للجاذبية الدولية و«التنمية الاقتصادية»، يندرج في الواقع ضمن منطق مشروع غامض واستبدادي بشكل عميق، سبق اختباره.
على غرار مشروع «بلغراد ووترفرونت»، تُستخدم هذه الاستثمارات العملاقة ذريعة لتعبئة واسعة للأموال العامة، واعتماد إجراءات استثنائية، وتعليق فعلي للرقابة الديمقراطية. إذ تُسحب المشاريع الحضرية الكبرى من النقاش البرلماني والمجتمعي، وتُسند إلى شراكات عامة-خاصة غير شفافة، غالبا ما ترتبط برؤوس أموال أجنبية وبدوائر قريبة من النظام.
تسمح هذه المشاريع بتوجيه الموارد العامة نحو شركات خاصة، وسوق غير شفافة، وتشجيع المضاربة، وتعزيز شبكات للزبونية تربط النظام برؤوس الأموال العابرة للحدود وبالفاعلين المحليين. وبهذا يسعى النظام إلى تقديم نفسه على أنه حداثي ومحترم.
أما النتائج على السكان الصرب فهي خطيرة، إذ تؤدي هذه المشاريع إلى عمليات تهجير الأحياء الشعبية وتدمير الفضاءات العمومية، إضافة إلى مديونية البلاد، وبالتالي إلى تعميق هشاشة الطبقة العاملة الصربية.
يندرج بناء محطة قطار نوفي ساد، في إطار تمديد «طريق الحرير» الجديد، ضمن المنطق ذاته. فهو مشروع يخدم بطبيعته نمو رأس المال الصيني وتوسعه في السوق الأوروبية. وقد أدى انهيار مظلة المحطة إلى مقتل 16 شخصا، وأشعل حركة قطيعة مع فساد نظام فوتشيتش.
البلقان، الإمبريالية والبدائل
تندرج الحالة الصربية ضمن دينامية إقليمية أوسع. فالبلقان فضاء مجزأ، يُبقى في حالة عدم استقرار دائم بفعل تنافس الإمبرياليات. فلا الاتحاد الأوروبي، ولا روسيا، ولا الصين تقترح تحررا حقيقيا : فكل طرف يسعى إلى تأمين مصالحه الاقتصادية والجيوسياسية.
قد يكون البديل الجدير بالبحث هو قيام اتحاد بلقاني، في ظل تشابه شروط الاضطهاد الرأسمالي. هكذا طريق قد يجعل التحرر الاقتصادي لصربيا ممكنا.
لا تستطيع صربيا أن تعلن بين عشية وضحاها أنها لن تكون بعد الآن ساحة للاستخراج المفرط، وغسل الأموال، والتبادل غير المتكافئ. فمن جهة، لا تملك وسائل الإنتاج الأولية، ومن جهة أخرى ستكون الضغوط الخارجية عليها شديدة إلى حد لا يمكنها التحمل طويلا. فالرأسمال لديه الكثير ليجنيه في صربيا: الليثيوم، والبورون، وموقعها الجغرافي، ويدها العاملة الرخيصة…
آفاق النضال: ما بعد تغيير الطاقم السياسي
السؤال الجوهري ليس فقط «من يحكم»، بل أية طبقة تحكم ولأية مصالح. إن النضال ضد النظام الصربي لا يمكن أن يقتصر على تداول انتخابي للسلطة. بل يطرح ضرورة بناء تنظيم شعبي مستقل، قادر على الجمع بين النضالات الاجتماعية والديمقراطية والمناهِضة للإمبريالية.
في سياق أزمة النظام، قد تكون صناديق الاقتراع ساحة مواجهة، لكنها لا تكفي. تقرير المصير الحقيقي يقتضي قطيعة مع التبعية الإمبريالية، والمحسوبية الرأسمالية، والجهاز القمعي للدولة.
ما يجري اليوم في صربيا هو قطيعة مع حكومة فوتشيتش، لكن السؤال يبقى مفتوحا: هل ستكون التعبئات قادرة على المضي نحو قطيعة حقيقية مع النظام، وإلى تقارب مع بقية النضالات في البلقان؟
إلينا فرنانديز فرنانديز
عضوة في اليسار المناهض للرأسمالية (بلجيكا).
11 كانون الثاني/يناير 2026