مشاعر الكراهية للآخر!
ادم عربي
2026 / 2 / 19 - 20:00
بقلم : د. ادم عربي
داخل كل واحد منا، سواء كنا أفراداً أو جماعات، يوجد مخزون من مشاعر الكراهية تجاه "الآخر" المختلف عنا أو المخالف لنا. ورغم وجود هذه الكراهية، تجبرنا احتياجاتنا الواقعية ومصالحنا اليومية على إقامة علاقات متعددة الأوجه مع الآخرين. فمثلاً، قد نكره شخصاً أو جماعة معينة، لكننا نضطر للتعاون معهم في العمل، أو التجارة، أو الدراسة، أو حتى في مسائل الأمن والمصلحة العامة. هذا يعني أن الكراهية وحدها لا تتحكم بسلوكنا بالكامل، بل تتفاعل مع الواقع والمصالح العملية التي تحدد كيفية علاقتنا بالآخر.
هذا المخزون من الكراهية ليس جديداً، بل هو مزيج من كراهية موروثة تشمل الشخصية والعائلية والعشائرية والدينية والطائفية والعقائدية والاجتماعية والطبقية والقومية والعرقية. ومع ذلك، فإن الحاجة الواقعية للآخر أو الرغبة في إقامة علاقة مفيدة معه قد تمنعنا من التعبير عن هذه الكراهية، لكنها لا تلغي وجودها، فهي تتغير بحسب قوة وضعف الأسباب الواقعية التي تغذيها.
ما يهمنا هنا ليس الجانب النفسي أو الاجتماعي لهذه المشاعر، بل العلاقة بين مشاعر الكراهية هذه وبين المصالح الفئوية الضيقة. أصحاب هذه المصالح لا يستطيعون خوض الحروب والصراعات بمفردهم، فهم يحتاجون إلى تجنيد جمهور واسع من الناس، الذين غالباً لا مصلحة لهم في هذه الحروب، ويعاملونهم كـوقود لصراعاتهم. ولتحقيق ذلك، يقوم هؤلاء بإيقاظ مشاعر الكراهية القديمة والموروثة داخل المجتمع، مثل الكراهية الدينية أو الطائفية أو العشائرية.
حين تستحوذ هذه الغرائز البدائية على الغالبية، يصبح من السهل توجيههم لخوض حروب لا تخدم مصالحهم الحقيقية، وإنما مصالح أصحاب النفوذ والفئات الضيقة فقط. في هذه العملية، قد يتخلى الناس عن قيمهم الإنسانية والديمقراطية من أجل المشاركة في صراع لا يمت لهم بصلة.
مثال عالمي واضح على ذلك هو ما حدث في الولايات المتحدة بعد الهجمات الإرهابية في 11 أيلول 2001، التي قام بها إرهابيون من تنظيم القاعدة، بعد الهجمات، استخدمت إدارة الرئيس بوش، ومن بينهم تشيني ورامسفيلد ورايس، هذه الأحداث لتغذية مشاعر الكراهية الموجودة لدى بعض المواطنين تجاه الإسلام والمسلمين، لتبرير حروب في العالم العربي والإسلامي تخدم مصالح شركات النفط والسلاح الكبرى، وليس مصالح الشعب الأمريكي نفسه، الذي كان معروفاً بتقديره للقيم الديمقراطية والإنسانية.
ومثال إقليمي في الشرق الأوسط يمكن أن نجده في العراق بعد عام 2003. بعد سقوط نظام صدام حسين البعثي ، استغلت بعض القوى المحلية والإقليمية والخارجية المشاعر الطائفية والعشائرية بين السنة والشيعة، لإضعاف الدولة المركزية وتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي.
المصالح الضيقة هنا تشمل قوى سياسية وطائفية محلية تسعى لتوسيع نفوذها على حساب الوحدة الوطنية،
ودولا إقليمية دعمت مجموعات معينة لإضعاف خصومها،
وجهات اقتصادية استفادت من الفوضى للتحكم بالموارد والمشاريع.
في كلا المثالين، كما في الأمثلة الأخرى، يتم استغلال المخزون الشعبي من مشاعر الكراهية الموروثة أو المكتسبة حديثاً، لتحويله إلى وقود لصراعات وحروب تخدم مصالح ضيقة، وليس مصالح المجتمع ككل.
نتيجة ذلك، تتحول المجتمعات إلى جماعات "وحشية" تستجيب للحروب التي تلبس لبوسا دينياً أو طائفياً أو قومياً أو عشائريا. وأصغر اختلاف أو خلاف قد يتحول إلى عداء شديد، وحروب "مقدسة" لا يستفيد منها أحد سوى من يملك المصالح الضيقة. وفي النهاية، يغدو الإنسان في عدائه الأعمى للآخر، عدواً لنفسه، فتدمر مجتمعاته نفسها، ويُبنى على أنقاض وجودها مجد لأصحاب المصالح الفئوية، الذين يجدون في مخزون الكراهية الشعبي سنداً قوياً لمصالحهم.
أقول هنا وبثقة أن المشاعر الموروثة من الكراهية هي أفيون الأمم والشعوب، وأداة قوية في يد من يريد استغلالها لأهداف ضيقة على حساب مصالح المجتمع الحقيقية.
ولا يقتصر استغلال الكراهية على الصعيد الوطني أو الدولي فقط، بل يصل أيضاً إلى الحياة اليومية بين الناس. صراعات صغيرة بين الأفراد، مثل الغيرة، الحسد، أو الخلافات الشخصية، يمكن أن تتحول إلى كراهية حقيقية، حتى لو كان هؤلاء الأفراد من نفس الطائفة، أو القومية، أو العشيرة، أو الدين. هذه النزاعات الشخصية يمكن أن تُستغل من قبل من يريد مصالحه الضيقة، سواء كانت مالية، مهنية، أو اجتماعية. كل خلاف صغير يصبح فرصة لتغذية الكراهية وتحقيق مكاسب على حساب الآخرين، بحيث يتحول الفرد في النهاية إلى جزء من شبكة أكبر من المصالح الضيقة، تماماً كما يحدث على مستوى الجماعات والدول ، إنها الفردانية هنا وهي لا تنم إلا عن تربية فاسدة شعارها " ومن لم يعشق صعود الجبال، يعش أبد الدهر بين الحفر" فلا خلاص إلا الخلاص الفردي، تقرب الى ذوي الجاه والسلطة ربما تكون يوماً ما واحد منهم، كن معاديا لزملائك ورقيب عليهم ولفق لهم التهم الباطلة فلربما يعود بالنفع عليك ،كن عبدا لمن هم أعلى منك مرتبة، فلا فرق بين العبد وسيد العبد.