نظرة إشتراكية: في مفهوم السوق الحر
عائد ماجد
2026 / 2 / 19 - 14:11
من المفاهيم التي يسعى الليبراليون إلى ترسيخها من خلال النظام الرأسمالي هو مفهوم السوق الحر، الذي يترك ليقاد من قبل رؤوس الأموال وأصحاب وسائل الإنتاج. فيكون السوق حراً ويبقى الإنسان حراً داخل السوق، قادراً على دخول السوق والتبادل داخل السوق بحرية دون تدخل، ويتحدد سعر كل شيء من خلال العرض والطلب. وبسبب وجود عدد كبير من المنتجين، يتوقف بذلك الاحتكار ويؤدي إلى الموازنة بين الأسعار والإنتاج. وهذا ما يقوله أصحاب السوق الحر عنه.
لكن، هل السوق الحر حر فعلاً؟ إذا أخذنا مفهوم السوق الحر من هذه الجهة، فإنه حر، لكن حر سلبياً، ما دامت الثروة لدى فئة مع وسائل الإنتاج التي يمكن تملكها، بذلك ستكون الثروة أداة استغلال. لأن من يسير السوق هم أصحاب رؤوس الأموال، بينما ينقاد من لا يملكون رؤوس الأموال لهم، وهذا ما يلغي الشروط الأساسية لكون الاختيارات حرة. فما نفلح الحرية إذا لم أكن قادراً على اختيار شيء إلا داخل الحدود التي يكون فيها مسيراً، أما العمل أو الجوع أو أي خيار آخر. لكن حتى الاختيارات والتفضيلات داخل السوق الحر تكون مسيرة، لأن السوق نفسه مسير من قبل أصحاب رؤوس الأموال.
ويفترض أصحاب مفهوم السوق الحر أن الفرد بسعيه لتحقيق مصالحه الشخصية يحقق المصالح العامة، مثلاً، لو حصل ارتفاع في سعر سلعة، لنقل إنها الخبز، فإن أصحاب رؤوس الأموال سيزيدون من إنتاج الخبز فيتوازن السعر تلقائياً. وكان أصحاب رؤوس الأموال يحبون بعضهم ومتفاهمين فيما بينهم، وهذا ما لا يحدث إلا قليلاً، لأن السوق الحر يعزز التنافس بما يلغي أي قيمة إنسانية بين أي طرفين. فبرايهم السوق الحر يحفظ الإبداع، دون أن ينتبهوا لاستغلال السوق الحر للإبداع. فنرى من النادر أن تظهر اختراعات جديدة مفيدة، دون أن يتنافس أصحاب رؤوس الأموال على احتكارها والتنافس عليها، بل حتى الحاجات الترفيهية كمواقع التواصل والأطعمة والقهوة والتكنولوجيا وغيرها من الأمور.
فمثلاً، خذ كل من شركة بيبسي وكوكاكولا في سوق المشروبات الغازية، حيث يشغلها نسبة ما يقارب 65% من هذا السوق من خلال شراء كل الشركات الصغيرة التي تحاول المنافسة. ومن خلال هذه الحركات الاحتكارية حصلت على هذه النسبة من هذا السوق. أصبح الإبداع داخل السوق الحر يجعلك سمكة في بحر من الحيتان.
خذ أيضاً شركة ميتا في سوق مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تحتل من 60 إلى 65% من سوق مواقع التواصل الاجتماعي، أي أنه لو كنت مستخدماً لمواقع التواصل الاجتماعي، يجب أن تكون مستخدماً على الأقل لإحدى وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بشركة ميتا: إنستغرام، فيسبوك، ماسنجر، واتساب. طيب، حركتها الاحتكارية مع أي إبداع بشأن مواقع التواصل، فهي تمتلك العديد من مواقع التواصل بسبب كل الوسائل التي كانت تستعملها لشراء أي تطبيق جديد يسعى للمنافسة. فعلت هذا مع إنستغرام وحاولت بكل الطرق فعل هذا مع سناب شات، حيث قامت الشركة بأخذ الطرق الاحتكارية لشراء التطبيق أو إبعاد الناس عنه، ونجحت جزئياً. حيث قلدت في تطبيقاتها كل ميزات التطبيق ليبعد الناس عنه ويستعملون تطبيقاتها بدلاً منه.
وكذلك خذ شركة مايكروسوفت، التي تحتل حوالي 72% من سوق أنظمة التشغيل العالمي، أي أن ثلاثة من كل أربع حواسيب تعمل بنظام ويندوز. خذ حركاتها الاحتكارية، كان تطبيقاتها تعمل بشكل منسجم تماماً مع نظام التشغيل الخاص بها، بينما تعمل على تبطيء البرامج الأخرى غير التابعة للشركة. وحدث ولا حرج في سوق السيارات الكهربائية وسوق الأطعمة والملابس وغيرها، حيث تمتلك النسبة الأعلى من كل سوق شركة أو شركتان، بينما تبقى الشركات الأخرى تسير بجانب الجدار، حتى تكتشف شيئاً جديداً أو تحاول المنافسة بشيء جديد لتتصارع حولها الشركات الكبرى.
لذا، لا يمكن لنا اعتباره سوقاً حراً ما دمت لا تملك الحرية حتى في دخول السوق بشكل عادل. فأي حرية هذه يحددها أصحاب رؤوس الأموال فقط.