صعود العضوية النقابية في الولايات المتحدة: مؤشر انعطاف عالمي عمالي… ورسالة إلى تونس


جهاد عقل
2026 / 2 / 19 - 09:48     

في وقتٍ تتصاعد فيه الضغوط السياسية على العمل النقابي في عدد من الدول، تكشف بيانات مكتب إحصاءات العمل (Bureau of Labor Statistics )– كما نقلتها The Guardian – أن عدد العمال المشمولين بعقود نقابية في الولايات المتحدة الأمريكية بلغ عام 2025 نحو 16.5 مليون عامل، وهو أعلى مستوى منذ عام 2009. كما ارتفع عدد الأعضاء الفعليين إلى 14.7 مليون، وبلغت الكثافة النقابية 10% بعد سنوات طويلة من التراجع.
هذه الأرقام، وإن بدت متواضعة مقارنة بالعقود الذهبية للحركة العمالية الأميركية حين تجاوزت الكثافة 30% في منتصف القرن الماضي، تحمل دلالة سياسية مهمة: النقابات قادرة على النمو حتى في بيئة معادية.

مفارقة النمو تحت الضغط
جاء هذا الارتفاع رغم محاولات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقليص أو إلغاء عقود التفاوض الجماعي لآلاف الموظفين الفدراليين. ورغم ذلك، شهد عام 2025 زيادة في العضوية الفعلية، مدفوعة بموجات تنظيم في قطاعات الصناعة والخدمات واللوجستيات.
الأهم من الأرقام هو المناخ العام: التأييد الشعبي للنقابات في الولايات المتحدة يتراوح بين 67% و71% وفق استطلاعات عهد غالوب (Gallup)، وهي مستويات لم تُسجل منذ ستينيات القرن الماضي. أي أن الشرعية الاجتماعية للنقابات أقوى من حضورها العددي.

اتجاه عالمي: عودة السؤال الاجتماعي
ما يحدث في الولايات المتحدة لا يمكن فصله عن موجات التعبئة العمالية في أوروبا، من فرنسا إلى ألمانيا وبريطانيا، حيث عادت الإضرابات والاحتجاجات إلى الواجهة بفعل التضخم وتآكل الأجور وسياسات التقشف.وقد أدت هذه النضالات لى تحقيق الكثير من الحقوق للعمال المنظمين في النقابات العمالية،من رفع الأجور وغيرها من الحقوق التي تشمل الضمان الإجتماعي وتقليص ساعات العمل ، بالرغم من قيام بعض الدول ذات الحكم اليميني الرأسمالي من تشريع قوانين معادية للنقابات العمالية ولحرية التنظيم النقابي.لذلك نرى أن هذه التغييرات تطرح أن هذا الصراع
إنه صراع على نموذج الاقتصاد نفسه:هل يستمر منطق خفض كلفة العمل وتهميش التفاوض الجماعي؟؟
أم يُعاد الاعتبار لدور النقابات كشريك اجتماعي في توزيع الثروة وضبط التحولات الاقتصادية؟
الجواب على هذه التساؤلات برأينا هو أن مواصلة النضال النقابي ، وتعميق مسار الوحدة العمالية ، لا بد وسيحققان الإنجازات للطبقة العاملة على الصعيد العالمي عامة والأمريكي خاصة.

الدرس التونسي: بين الضغوط الداخلية والتحولات الدولية
في هذا السياق، تبرز أهمية ما يواجهه الاتحاد العام التونسي للشغل من تحديات سياسية واقتصادية معقدة. فالضغوط المتعلقة بالإصلاحات الاقتصادية، والعلاقة المتوترة أحيانًا مع السلطة التنفيذية، والجدل حول دور الاتحاد في الحياة العامة، كلها تضع المنظمة أمام اختبار دقيق.
غير أن التجربة الأميركية – رغم اختلاف السياق – تطرح سؤالًا مهمًا:
هل يمكن أن يتحول الضغط إلى فرصة لإعادة تجديد الدور النقابي وتعزيز حضوره المجتمعي؟
واضح أن ما حققه عمال صناعة السيارات وإفشال ما قام به دونالد ترامب وحكومته بخصوص الموظفين الفيدراليين ، يؤكدان أن الوحدة النقابية النضالية بإستطاعتها كسر السياسات الراسمالية المعادية للعمال.
الاتحاد التونسي للشغل ليس مجرد منظمة مطلبية؛ بل هو فاعل تاريخي في صياغة المسار الوطني. ومع تصاعد النقاشات حول الإصلاحات المالية والالتزامات الدولية، يصبح الدفاع عن التفاوض الجماعي والعدالة الاجتماعية ليس فقط مطلبًا نقابيًا، بل عنصرًا أساسيًا في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

بين المقاومة والتجديد
التحولات الجارية عالميًا تشير إلى أن النقابات التي تنجح اليوم ليست تلك التي تكتفي برد الفعل، بل التي:
تبني تحالفات مجتمعية واسعة.تربط بين قضايا الأجور والعدالة الضريبية والحماية الاجتماعية.
تواكب التحولات الرقمية والاقتصاد غير المنظم.تحافظ على استقلاليتها مع الانخراط الفاعل في الحوار الوطني.
صعود العضوية النقابية في الولايات المتحدة عام 2025 لا يمثل ثورة عددية، لكنه مؤشر إلى أن العمل المنظم ما زال قادرًا على استعادة جزء من مكانته حين تتوفر الإرادة والشرعية المجتمعية.
أما في تونس، فإن الحفاظ على دور الاتحاد العام التونسي للشغل كركيزة للتوازن الاجتماعي يظل شرطًا أساسيًا لأي إصلاح اقتصادي مستدام. فالتاريخ يثبت أن إضعاف النقابات لا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى هشاشة أعمق في العقد الاجتماعي. من هنا تبرز أهمية إنعقاد المؤتمر الوطني العادي السادس والعشرين أيام 25 و26 و27 مارس 2026 للإتحادالعام التونسي للشغل ،الذي يعتبر محطة أكثر من مجرد استحقاق تنظيمي دوري،مع الأهمية لذلك ،بل تعتبر مخرجات هذا المؤتمر لحظة هامة ومفصلية في ترسيخ مكانة الإتحاد وموقعه ودوره النقابي والإجتماعي بل والسياسي على الساحة التونسية التي تحاول حكومتها والجهات المعادية للتنظيم النقابي ضرب الوحدة العمالية في تونس.

الوحدة والنضال ركيزتان لتحقيق العدالة الإجتماعية
إن اللحظة الراهنة، عالميًا وعربيًا، ليست مجرد مواجهة حول نسب العضوية، بل معركة حول شكل الاقتصاد ومستقبل العدالة الاجتماعية.لقد تابعنا العديد من النضالات العمالية والنقابية في مختلف الساحات الدولية ، وإتضح لنا أن تحقيق النجاحات بتحسين شروط العمل وإفشال مخططات القوى الرأسمالية،من أجل اضعاف قوة الحركة النقابية ، إعتكدت على ترسيخ الوحدة العمالية والمثابرة على طريق النضال، حققت فيها النقابات ليس فقط العدالة افجتماعية بل أكثر من ذلك ، أي توسيع نفوذ النقابات العمالية وإنضمام العمال لها.
والرسالة الأوضح من التجربة الأميركية التي نحن في سياقها هنا توكد لنا ما يلي:
حتى تحت الضغط، يمكن للتنظيم أن ينمو… إذا بقيت القاعدة الاجتماعية مؤمنة بدوره وبوحدته التي لا تتزعزع.