السلام: من شعور فردي إلى نظام مجتمع


جعفر حيدر
2026 / 2 / 17 - 20:48     

بقلم /جعفر حيدر

السلام لا يبدأ من قاعات المؤتمرات ولا من توقيع الاتفاقيات بقدر ما يبدأ من اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن لا يكون عدواً للعالم من حوله، فهو ليس حالة صمت بين حربين بل حالة وعي مستمر تجعل الفرد يرى في استقرار الآخرين امتداداً لاستقراره هو، ولذلك فإن جوهر السلام يكمن في شعور عميق بالاطمئنان نابع من عدالة تُمارس لا من شعارات تُرفع، فحين تختل الموازين ويشعر الناس بأن حقوقهم مؤجلة أو كرامتهم قابلة للمساومة يتحول التوتر إلى بيئة خصبة للعنف حتى لو بدا السطح هادئاً، ومن هنا يصبح السلام عملية بناء طويلة تتداخل فيها التربية مع الثقافة ومع الاقتصاد ومع السياسة، إذ لا يمكن لمجتمع أن يعيش سلاماً حقيقياً وهو يزرع الخوف في أفراده أو يبرر الإقصاء بينهم، كما أن السلام لا يعني أن تختفي الخلافات بل أن توجد قواعد إنسانية تحكمها بحيث يبقى الاختلاف مساحة للفهم لا مبرراً للعداء، وفي الحياة اليومية يتجلى السلام في التفاصيل الصغيرة أكثر مما يتجلى في الأحداث الكبرى؛ في طريقة إنصاتنا لبعضنا، في قدرتنا على كبح الغضب، في احترامنا للحدود، وفي استعدادنا لإعطاء الفرصة بدل إصدار الأحكام السريعة، وعبر التاريخ كان السلام دائماً مشروعاً هشاً يحتاج إلى صيانة دائمة لأن الطبيعة البشرية تميل أحياناً إلى الخوف والهيمنة، لكن حين تتوفر مؤسسات عادلة وتعليم يزرع التفكير النقدي وإعلام يخفف الاستقطاب، يصبح السلام أكثر من احتمال بل مساراً قابلاً للاستمرار، وعندها ندرك أن السلام ليس فكرة مثالية منفصلة عن الواقع بل مهارة جماعية نتعلمها ونمارسها كل يوم حتى تتحول من أمنية بعيدة إلى قاعدة يعيش الناس في ظلها بطمأنينة.