حقيقة مطالبة صندوق النقد الدولي خصخصة الأصول الاقتصادية المدنية والتابعة للجيش
محمود محمد ياسين
2026 / 2 / 17 - 04:54
مقدمة
ان الدافع لهذا المقال هو التعليق على المطلب الحالي الملحاح من قبل صندوق النقد الدولي للدولة المصرية للاستجابة لدعوته، في النصف الأخير من العام 2025، بتقليص القطاع الاقتصادي المملوك للجيش لصالح القطاع الخاص، ضمن مؤسسات أخرى للقطاع العام. ووفق صندوق النقد الدولي فان خصخصة الشركات والاعمال المملوكة للجيش سوف تؤدى الى توسيع النمو المستدام عبر توسيع القاعدة الإنتاجية التي يقودها القطاع الخاص المصري. وصار مطلب خصخصة أصول الجيش الاقتصادية مضمنا مع بقية الإصلاحات الأخرى التي يطلبها صندوق النقد الدولي كشرط لصرف شرائح تمويله المقدمة لمصر.
يتضح جليا ان مطلب نقل الشركات التابعة للجيش للقطاع الخاص ما هو الا امتداد لمعاملات الخصخصة (privatization transactions) التي فرضها صندوق النقد الدولي على الدول الفقيرة منذ ثمانينيات القرن الماضي، ولم تكن الخصخصة مجرد إصلاحات لتحسين الأداء الاقتصادي لتلك الدول، وانما مثلت سياسات، مصممة باسلوب المنظمة العالمية البراغماتي المعهود، تتمحور حول ان الملكية العامة تعيق حرية حركة رأس المال المرتبط بالخارج.
في حالة الدول المتخلفة، تتجلى دعوة صندوق النقد الدولي لتقليص ملكية الدولة—ولا سيما الأصول الاقتصادية المرتبطة بالمؤسسة العسكرية—بوصفها جزءًا من إعادة هندسة الدولة التابعة أكثر من كونها إصلاحًا اقتصاديًا محايدًا. فالقطاع العام، بما فيه المؤسسات الاقتصادية الخاضعة للجيش، لا يضمن الحرية الميسرة(unhindered) لرأس المال المحلي المرتبط بالخارج والعابر للحدود، لأنه يحتفظ—ولو بصورة متناقضة ومشوهة—بقدرة على ضبط الموارد الاستراتيجية، والتحكم في كيفية تخصيص العوائد، وتقييد النفاذ الكامل للأصول العامة، بما يحد من إعادة توجيه الفائض المحلي نحو دوائر التراكم الخارجي. ومن ثم، فإن الضغط من أجل تفكيك هذا القطاع لا يستهدف إنهاء الطابع غير المتكافئ في ملكية وحدات الاقتصاد، بل إعادة توزيع الملكية لصالح قوى مدنية–كومبرادورية في ظل استمرار شروط التبعية. ومن هذا المنظور، فان سياسات الخصخصة تستهدف منع أي توجه للتخلص من الهيمنة الخارجية على مسار الاقتصادات المتخلفة بما يحول اتجاهها لأولويات التراكم الوطني.
وفي هذا المقال نوضح، بشكل نظري مكثف، حقيقة مطالبة صندوق النقد الدولي للدول الفقيرة لخصخصة الأصول الاقتصادية التي تمتلكها حكوماتها. كما نتطرق للإجابة عن السؤال الذى يثار حاليا : "هل هي معارضة مبدئية لعسكرة الدولة؟" وهو التساؤل الذى أخذ، مؤخرا، يثير اهتمام المهتمين والدارسين لموضوع حقوق الملكية والتمويل نتيجة لاتجاه صندوق النقد الدولي مطالبة الدول المتخلفة تقليص دور القطاع المملوك للجيش. وسوف يجئ تركيزنا على الإجابة عن التساؤل بتوضيح ان منطق مطالبة صندوق النقد الدولي للدول الفقيرة تقليص ملكية الجيش للأصول الاقتصادية يشابه منطق خصخصة الأصول الاقتصادية (المدنية) المملوكة للدولة المتخلفة؛ فخصخصة أصول الجيش هي امتداد لعملية تحويل الوحدات الاقتصادية للدولة ونقلها الى القطاع الخاص.
المقال
ان خصخصة الأصول الاقتصادية المملوكة للدولة المتخلفة بدأ تطبيقها في أواخر السبعينيات وتعمقت خلال الثمانينيات باعتماد برامج ممنهجة، متزامنة مع أزمة المديونية العالمية في السبعينيات والثمانينيات التي كشفت عن فشل نموذج الدولة التنموية في البلدان النامية، ممهدة الطريق لسياسات النيوليبرالية التي فرضت خصخصة الوحدات الاقتصادية وخفض دور الدولة في النشاط الاقتصادي عبر إملاءات مؤسسات التمويل الدولية. وهكذا، أدخل صندوق النقد الدولي بالاشتراك مع البنك الدولي، تعديلا لنشاطه المقتصر على توصيات لضبط الاختلالات النقدية قصيرة الأجل، برامجا تهدف لإعادة هيكلة الدول المتخلفة التابعة (الطرفية – peripherals) عُرفت بـبرامج التكييف الهيكلي (Structural Adjustment Programmes) التي جعلت مطلب الخصخصة ( بجانب تحرير التجارة، وتعويم العملة، وتقليص الإنفاق العام) كشرط مركزي وأساسي للموافقة على المساعدات المالية. ان مطلب صندوق النقد الدولي بيع الأصول العامة وتقليص دور الدولة الإنتاجي وتحرير الأسواق، لا يعنى طرح الخصخصة في هذا الإطار كخيار تنموي داخلي، بل كآلية لإعادة دمج اقتصادات الدول المتخلفة التابعة في النظام الرأسمالي العالمي بآليات غير متكافئة، بالصورة التي تعزز انتقال الملكية من الدولة الوطنية إلى القطاع الخاص او الى الوحدات المملوكة لراس المال الأجنبي والكمبرادوري الذى يمثله، وكل هذا يعنى إعادة تشكيل الدولة بوصفها ضامنًا للاستقرار المالي وليس بالضرورة فاعلًا تنمويًا. فالنقطة هنا هي ان صندوق النقد الدولي يرى ان الخصخصة (والإجراءات الأخرى) تمثل برامج إصلاحية تؤدى لزيادة الإنتاج والصادرات مما يعزز التنمية المستدامة. لكن وضح من تجربة تطبيق هذه البرامج في البلدان الفقيرة ان الغرض من برامج صندوق النقد هو تعميق التبعية الاقتصادية بغرض زيادة معدلات أرباح رأس المال العالمي ونقلها للخارج بواسطة بنى اقتصادية ومالية وتجارية مصممة للتحكم والهيمنة على الدول المتخلفة. والتبعية هي ما أدى لفشل البرامج المالية والاقتصادية التي صممتها مؤسسات التمويل العالمية (صندوق النقد الدولي/البنك الدولي)؛ والدليل على هذا الفشل تقدمه تجريبيا (empirically) حصاد تطبيقها في البلدان التابعة التي لم يبرحها التخلف. لكن رغم إمكانية ارجاعه لعدة أسباب تتعلق بالقدرات الإدارية الموجودة داخل الدولة التابعة، الا ان هذا الفشل يعزى اساسا الى البرامج الهيكلية التنظيمية والاقتصادية وتكاملها مع الجوانب المالية (الديون وشروطها وحقوق الملكية الضرورية للتمويل) التي الزمت مؤسسات التمويل العالمية الدول المتخلفة تبنيها؛ أي ان الفشل يرجع لهذه البرامج نفسها.
ان التفسير لعملية ربط الخصخصة (وحدات عسكرية او مدنية) بتعزيز هيمنة الدول الرأسمالية على الدول الفقيرة، يستوجب المقارنة بين تجاربها في الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة والبلدان المتخلفة التابعة. فالخصخصة تؤدي وظائف بنيوية متمايزة باختلاف موقع الدولة داخل النظام الرأسمالي العالمي. ففي الاقتصادات المتقدمة، تُطرَح الخصخصة—بغض النظر عن تقييم نتائجها—كأداة لإعادة هيكلة قطاعات ذات وزن إنتاجي فعلي، في سياق اقتصاد صناعي متماسك لدرجة كبيرة. أما في البلدان التابعة، حيث تشكل الصناعة قطاعًا ضعيفًا ومحدود الإسهام في الدخل القومي بفعل تاريخ طويل من التبعية، فإن استهداف وحدات صناعية هامشية لا يمكن تفسيره بمنطق الكفاءة الاقتصادية أو تعظيم الإيرادات. في هذا السياق، تعمل الخصخصة بوصفها آلية سياسية–بنيوية يستخدمها صندوق النقد الدولي تحت لافتة " الإصلاح الاقتصادي وتعزيز الحوكمة" التي تستهدف نزع الطابع الإنتاجي عن الدولة ذاتها، لا إصلاح القطاعات المعنية. فحتى الوحدات الصناعية الضعيفة تمثل إمكانية كامنة لإعادة توجيه التنمية أو بناء سياسة صناعية مستقلة نسبيًا، وهو ما تسعى استباقيا، برامج الخصخصة إلى إغلاقها. وبذلك، لا تتعارض الخصخصة مع الطابع الكمبرادوري السائد الذي يتركز في التجارة والتوكيلات والخدمات، بل تستكمله عبر إخضاع القطاع الإنتاجي المحدود أصلًا لمنطق السوق العالمي، وتحويل الدولة إلى فاعل تنظيمي–مالي خالص، منزوع القدرة على التدخل (المستقل) في الإنتاج. وعليه، يمكن القول إن الخصخصة في البلدان التابعة لا تعبر عن انتقال من دولة إنتاجية فاشلة إلى سوق كفؤة، بل عن انتقال من دولة ضعيفة نسبيًا إلى دولة أكثر تبعية، حيث يُعاد إنتاج نمط التراكم القائم على الوساطة التجارية والارتباط الخارجي، مع تفكيك أي قاعدة مادية محتملة لتحول تنموي مستقل. بهذا المعنى، فان الخصخصة لا تمثل انقطاعًا مع بنية التبعية، بل إحدى آليات استدامتها في مرحلتها النيوليبرالية.
وهكذا، فاذا كان صندوق النقد الدولي لا يستهدف بالخصخصة تهيئة المناخ الاستثماري في الدول الفقيرة لتحقيق تنمية مستقلة، نجد الطرف الآخر في معادلة الخصخصة وهو الحكومة التابعة يتمسك بملكية القطاع العام بمنطق لا يُفهم (في سياق التبعية) باعتباره تعبيرًا عن توجه تنموي سيادي، بل غالبًا ما يرتبط باعتبارات سياسية واقتصادية وبنيوية متشابكة. فالقطاع الحكومي يؤدي هنا وظائف تتجاوز منطق الكفاءة الاقتصادية، إذ يُستخدم للحفاظ على تماسك النظام الحاكم، واحتواء الضغوط الاجتماعية المعارضة، وتنظيم توزيع العوائد الاقتصادية وشغل الوظائف، إضافة إلى الإبقاء على السيطرة على الموارد الاستراتيجية في ظل اختلال موازين القوة داخليًا وخارجيًا. إذ تُعد هذه الموارد أحد آخر مجالات المناورة المتاحة للدولة في مواجهة ضغوط راس المال العالمي وحتى بعض أقسام رأس المال المحلي بما يسمح لها بالحد من فقدان السيطرة الكاملة على مسارات التراكم واتخاذ القرار الاقتصادي. كما أن رفض الخصخصة قد يعكس مخاوف من فقدان أدوات الضبط والتحكم السياسي أو من انتقال الأصول إلى فاعلين محليين أو خارجيين قادرين على إعادة تشكيل موازين السلطة بما يهدد استقرار النظام القائم. وبهذا المعنى، يغدو الدفاع عن القطاع العام في الدول التابعة آلية لإدارة التوازنات والأزمات داخل بنية تبعية قائمة، لا مؤشرًا على تجاوزها. وفي هذا الإطار، تكتسب المزايا الضريبية والمالية والتنظيمية الممنوحة للمؤسسات العامة دلالتها لا كتشوهات سوقية، بل كأدوات انتقائية لإدارة التراكم وضبط المنافسة المحلية، بما يمنع تشكل قوى رأسمالية مستقلة قادرة على إعادة تشكيل موازين السلطة أو كسر حدود التبعية القائمة. وفى هذا الصدد، يغدو الدفاع عن القطاع العام وآليات دعمه جزءًا من منطق إدارة التبعية وإعادة إنتاجها، لا مؤشرًا على تجاوزها.
وبهذا المعنى، لا يعكس تمسك حكومات الدول الفقيرة بالقطاع العام خروجًا من علاقات التبعية، بل يندرج ضمن آليات إدارتها وإعادة إنتاجها داخل حدود المناورة الضيقة التي تفرضها بنية الاقتصاد التابع.
• نواصل في الفصل الثاني التوسع في تفسير عملية ربط الخصخصة بتعزيز هيمنة الدول الرأسمالية على الدول الفقيرة، بالإضافة لتوضيح اتجاه صندوق النقد الدولي ليشمل نشاطه خصخصة الأصول الاقتصادية المملوكة للمؤسسة العسكرية كمرحلة لإعادة صياغة الدولة المتخلفة حيث يُعاد توجيه وظائف هذه الأصول للعمل وفق منطق رأس المال العالمي.