نقابات الأرجنتين في مواجهة موجة عالمية لتفكيك الحماية العمالية


جهاد عقل
2026 / 2 / 17 - 02:48     

مقدمة
تواجه الحركة النقابية العالمية ، هجوماً صارخاً من قبل حكومات اليمين ، في مختلف أنحاء العالم ، بدءاً من سياسات الرئيس دونالد ترامب وسياسة الهجوم على النقابات العمالية ، مروراً بسياسات دول أوروبية ، مثل حكومة اليمين في إيطاليا ، وسياسة الرئيس ماكرون بتقليص حقوق العمال وتعرض النقابات لهجوم غير مسبوق ، بما في ذلك القيام بإعتقال نقابيين والزج بهم في السجن.وما تتعرض له النقابات في بعض دول أمريكا اللاتينية.
وكان آخر هذا الهجوم ما قامت به حكومة ناريندرا مودي من تغيير لقانون العمل الذي يعتبر هجوماً كاسحاً على النقابات العمالية ، حيث أعلنت النقابات إضراباً يوم ١٢ شباط الجاري ، شارك فيه أكثر من ٣٠٠ مليون عامل في مختلف أنحاء الهند،وهذا ما شهدته الحركة النقابية في الأرجنتين هذا الأسبوع من هجوم الحكومة على حقوق العمال.

عندما يتحول “الإصلاح” إلى إعادة صياغة ميزان القوة بين العمل ورأس المال
ما يجري اليوم في الأرجنتين يتجاوز كونه تعديلًا تشريعيًا عابرًا. مشروع الإصلاح الذي يدفع به الرئيس خافيير ميلي يشكل لحظة فاصلة في تاريخ علاقات العمل في البلاد، وربما في المنطقة بأسرها. فالموافقة الأولية في مجلس الشيوخ لم تكن نهاية المعركة، بل بدايتها الحقيقية، بعدما انتقل المشروع إلى مجلس النواب وسط تعبئة نقابية واسعة واحتجاجات وُصفت بأنها غير مسبوقة.

تفكيك منظومة الحماية… بندًا بندًا
المشروع، الذي يضم أكثر من 200 مادة، لا يقتصر على “تحديث” بعض الإجراءات، بل يعيد تعريف الفلسفة التي قام عليها قانون العمل الحديث في القرن العشرين.
تمديد يوم العمل إلى 12 ساعة، إلغاء الأجر الإضافي واستبداله بنظام “بنك الساعات”، إدخال “الأجور الديناميكية” المتقلبة، إلغاء تعويضات الفصل، تقييد الإضراب… كلها إجراءات تنقل العلاقة من إطار الحماية الجماعية إلى إطار التعاقد الفردي غير المتكافئ.
هذا التحول يمس جوهر مبدأ أساسي في القانون الاجتماعي: الاعتراف بأن العامل هو الطرف الأضعف الذي يحتاج إلى حماية تنظيمية لضمان توازن نسبي مع رأس المال.

صراع يتجاوز الحدود الوطنية
ردود الفعل الصادرة عن اتحاد نقابات عمال الخدمات الدولي لم تكن مجرد تضامن تقليدي، بل قراءة سياسية أوسع. الاتحاد اعتبر أن ما يحدث في الأرجنتين يعكس استراتيجية تتبناها حكومات يمينية متطرفة في أكثر من بلد، تقوم على:
• تقليص دور الدولة الاجتماعية
• إضعاف النقابات كفاعل سياسي
• تعزيز سلطة الشركات الكبرى
• إعادة تعريف “الحرية الاقتصادية” بوصفها تحريرًا كاملاً لرأس المال من القيود الاجتماعية
في هذا السياق، لا تبدو الأرجنتين استثناءً، بل حلقة في موجة عالمية بدأت منذ الأزمة المالية 2008، وتعمقت مع سياسات التقشف في أوروبا، وامتدت إلى إصلاحات سوق العمل في عدة دول تحت عنوان “المرونة” و”تحفيز الاستثمار”.

وهم خلق الوظائف عبر تقليص الحقوق
الحجة المركزية التي تروجها الحكومات الداعمة لهذا النهج تقوم على أن خفض “تكلفة العمل” سيجذب الاستثمار ويخلق وظائف.
لكن التجارب المقارنة تشير إلى نتيجة مختلفة:
• زيادة هشاشة العمل
• ارتفاع عدم الاستقرار الوظيفي
• تآكل الطبقة الوسطى
• وتراجع الطلب الداخلي، ما ينعكس سلبًا على النمو نفسه
العمل ليس مجرد تكلفة إنتاج؛ بل هو أيضًا مصدر دخل واستهلاك واستقرار اجتماعي. وعندما يُقوّض هذا الأساس، فإن الاقتصاد برمته يصبح أكثر هشاشة.

استهداف التفاوض الجماعي: جوهر المعركة
الأخطر في المشروع ليس فقط البنود المتعلقة بساعات العمل أو الأجور، بل القيود المفروضة على الحق في الإضراب وإضعاف القدرة التفاوضية للنقابات.
هنا تتجلى المعركة الحقيقية: هل تبقى النقابات شريكًا اجتماعيًا في صنع السياسات، أم تُختزل في دور رمزي بلا أدوات ضغط فعالة؟
في السنوات الأخيرة، شهد العالم تصاعدًا في الهجمات على الحريات النقابية، سواء عبر تشريعات مقيدة، أو عبر تضييق إداري وقضائي، أو من خلال حملات تشويه إعلامي. وبالتالي فإن المعركة الأرجنتينية تمثل اختبارًا لمستقبل التوازن الاجتماعي في سياق عالمي يتجه نحو إعادة تمركز السلطة بيد رأس المال العابر للحدود.

أبعاد إقليمية ودروس عربية
بالنسبة للمنطقة العربية، فإن قراءة ما يحدث في الأرجنتين ليست ترفًا نظريًا. كثير من دولنا تعيش نقاشات مشابهة حول “إصلاح سوق العمل”، “تشجيع الاستثمار”، و”المرونة التشريعية”.
والسؤال الجوهري هو:
هل الإصلاح يعني تحسين الإنتاجية مع صون الحقوق؟
أم يعني تفكيك الضمانات الاجتماعية بحجة التنافسية؟

التجربة الأرجنتينية تقدم درسًا واضحًا:
عندما يُختزل الإصلاح في تقليص حقوق العمل دون بناء منظومة إنتاجية متقدمة أو سياسات صناعية عادلة، فإن النتيجة غالبًا ما تكون مزيدًا من التفاوت الاجتماعي، لا مزيدًا من النمو.

المعركة لم تُحسم بعد
انتقال المشروع إلى مجلس النواب يفتح باب الاحتمالات. الضغط الشعبي، التعبئة النقابية، والانقسام السياسي قد يعيد رسم المشهد.
لكن بغض النظر عن النتيجة، فإن ما يجري في الأرجنتين يعكس لحظة عالمية مفصلية: صراع بين نموذجين للتنمية.
• نموذج يعتبر العمل ركيزة للعدالة الاجتماعية والاستقرار الديمقراطي.
• ونموذج يرى في الحماية الاجتماعية عائقًا أمام تراكم الربح.
وفي هذا الصراع، لا تدور المعركة حول نص قانوني فقط، بل حول تعريف معنى “العمل اللائق” ذاته، وحدود السلطة بين المجتمع والسوق.