فخ -العظمة المستعارة-: المشاريع الكبرى كآليات لاستدامة المديونية وخدمة المركز الرأسمالي
إكرام فكري
2026 / 2 / 17 - 00:35
في المشهد الجيوسياسي المعاصر، لم يعد الاستعمار يرتدي بدلة عسكرية، بل بات يرتدي “ياقة بيضاء” ويحمل حقيبة مليئة ببرامج الإصلاح الهيكلي. تبرز هنا إشكالية المشاريع القومية الكبرى والفعاليات العالمية الكبرى في الدول النامية، لا كأدوات للتنمية، بل كـ “ثقوب سوداء” اقتصادية، تُهندس بدقة لتكون قنوات لتحويل المال العام إلى مراكز النظام المالي الدولي.
غالباً ما يفرض صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أجندات تركز على “البنية التحتية الصلبة” عوضاً عن “التنمية البشرية”. هذه المشاريع، التي تبتلع ميزانيات ضخمة، تعمل بمثابة فخ للمديونية. إن اشتراط الصندوق لبناء موانئ ضخمة أو مدن ذكية في دول تفتقر لأدنى مقومات الرعاية الصحية ليس خللاً في التقدير، بل هو استراتيجية لضمان تدفق القروض. فالمال المقترض لا يلبث أن يعود إلى الدول المانحة عبر شركات المقاولات العابرة للقارات، تاركاً للدول النامية عبء الفوائد المتراكمة والتبعية السيادية.
تمثل هذه المشاريع الكبرى قمة “الاستلاب الرأسمالي”. إنها مصممة لإنتاج “صورة ذهنية” براقة على المسرح العالمي، لكنها من الناحية الاقتصادية تمثل “تبديداً منظماً” للثروة:
• خدمة الصندوق: هذه المشاريع تبرر الاقتراض الخارجي الضخم تحت ذريعة “تطوير المرافق”.
• إثراء الأوليغارشية: تعمل هذه المشاريع كمضخة للأموال نحو الطبقة البرجوازية المحلية المرتبطة بالسلطة، حيث تستحوذ الشركات الكبرى والمقاولات المحظوظة على العقود، مما يعمق الفجوة الطبقية ويحوّل الدولة إلى مجرد وسيط لتكديس الثروة في يد القلة.
إن المشاريع الكبرى تؤدي وظيفة “إعادة توزيع عكسي للثروة”. فعندما تخصص الدولة مواردها لسداد ديون مشاريع لم ترفع من إنتاجية المواطن البسيط، فإنها فعلياً تقتطع من ميزانيات التعليم والصحة (بإيعاز من خطط التقشف) لضمان تدفق “خدمة الدين” نحو صناديق الائتمان. هنا، يصبح صندوق النقد الدولي هو “المستفيد الأول والأخير”، حيث يضمن بقاء هذه الدول في حالة “تبعية إنتاجية”، تستهلك التكنولوجيا والمشاريع الغربية بمال مقترض من الغرب نفسه.
إن المشاريع الكبرى في الدول النامية ليست سوى “أيقونات للتبعية”؛ فهي تخدم صندوق النقد الدولي بجعله المهيمن على القرار السيادي عبر القروض، وتخدم البرجوازية المحلية بجعلها شريكاً في استنزاف الميزانية، وتترك للشعوب فتات “الفخر القومي” الزائف فوق بنية تحتية مديونة للأبد. إن التحرر الحقيقي لا يبدأ ببناء ناطحات السحاب، بل بكسر “الأصفاد الذهبية” لسياسات الإقراض التي تحول الأوطان إلى مجرد عقارات مرهونة.