في نسف المكتسبات النقابية أو الفاشية الاجتماعية (الجزء الأول)


جيلاني الهمامي
2026 / 2 / 16 - 03:26     

في نسف المكتسبات النقابية
أو الفاشية الاجتماعية
(الجزء الأول)

طوت الهيئة الإدارية الوطنية الأخيرة للاتحاد العام التونسي للشغل صفحة من صفحات الأزمة التي مرت – وما تزال تمر – بها المنظمة النقابية. وخَفَتَ الجدل حول قرار عقد المؤتمر في شهر مارس القادم بصورة ملحوظة وقد يكون عدم صدور بيان من مجموعة "التسعة" وأتباعهم من أعضاء الهيئة الإدارية (كان الجميع يتوقع صدوره) قد ساهم في تهدئة الأجواء.

في المقابل تفيد الأخبار النقابية أنّ الاهتمامات الآن منصبة على الاستعدادات النقابية والعملية للمؤتمر، من ذلك مثلا المساعي لنقل مقر انعقاده إلى مدينة المنستير عوضا عن ضاحية قمرت بتونس العاصمة ومن ذلك أيضا الحديث عن وجود "نسخة" أولية للوائح المؤتمر. وفيما تجري الاستعدادات حثيثة لعقد الهيئة الإدارية الوطنية للبت في هذا وغيره من المواضيع انضافت مسألة توقيف العمل بالخصم الآلي لفائدة الاتحاد. وحتى إن لم يشكل ذلك مفاجأة إذ راجت بشأنه أنباء وتعاليق كثيرة فإنه بمجرد أن أصبح أمرا واقعا قلب كل المعطيات وخلق حالة جديدة من الارتباك لم يسبق أن حصلت في صفوف النقابيين جميعا بكل خلافاتهم ومهما كانت صراعاتهم (1).

إنه "إعلان حرب" جديد. وقد سبقه من قبل إعلانات أخرى أدرك النقابيون أضرارها ولمسوا تداعياتها السيئة على العمل النقابي والاتحاد. لكن هذه "الحرب" لها وقعها الخاص بعد أن سبقتها "حرب" المفاوضات التي لا تقل عنها خطرا وضررا.

الآن اكتملت صورة المخطط الذي يتبعه قيس سعيد للقضاء قضاء مبرما على الاتحاد. مخطط يجري تنفيذه على طورين. طور أول في جدول أعماله إلغاء المفاوضات الاجتماعية وقد انطلق منذ أن أعلنت حكومة بودن عن مناشيرها (المنشور 20 بتاريخ 9 ديسمبر 2021 والمنشور 21 بتاريخ 4 نوفمبر 2022) المتعلقة بـ"التفاوض مع النقابات". وطور ثان حانت ساعته الآن سيقع فيه إلغاء العمل بالخصم المباشر على الأجور لفائدة الاتحاد.

إنّ التركيز على هذين العنصرين، المفاوضات الاجتماعية والخصم المباشر، ليس قرارا اعتباطيا بقدر ما ينبع من قناعة بأنه ما كان للاتحاد أن يبلغ ما بلغه من وزن و"نفوذ" وصيت لولا هذين العاملين دون سواهما. لذلك اختيار نسف هذين الركيزتين هو الضرب في المقتل.

في نسف مكسب الحوار الاجتماعي والمفاوضات الجماعية
لقد كشف قيس سعيد مبكرا عن نواياه في تفكيك كل الأدوات السياسية والمدنية التي يعبر بواسطتها الشعب التونسي بمختلف فئاته عن مواقفه وآرائه وانشغالاته ومطامحه بما في ذلك تهميش الاتحاد العام التونسي للشغل ولِمَ لا القضاء عليه. تجلى ذلك في العديد من تصريحاته وانفعالاته وكانت مناشير حكومة بودن المؤشر الأول والإعلان القوي على هذا التمشي. تُعتبر تلك المناشير من الإجراءات الخطيرة التي أقدم عليها قيس سعيد لأنها استهدفت واحدا من أهم مرتكزات التنظيم النقابي في تونس وأدوات عمله وأسلحته في تعبئة جماهير العمال واحتوائهم.

تمثل المفاوضات الاجتماعية مرتكزا قويا، إن لم يكن هو الأقوى، لمشروعية وجود الاتحاد (والاتحاد العام التونسي للشغل دون غيره من التنظيمات النقابية الأخرى) وسببا رئيسيا من أسباب قوته وجماهيريته. وهو أمر معلوم ومفهوم. فالمفاوضات عادة ما تنتهي بعقد اتفاق يتضمن مكاسب مادية ومهنية ومعنوية. هذه المكاسب هي التي "تصنع" جدارة الهيكل النقابي وتمتّن روابطه بقواعده. ومع مرور الزمن اتسعت صلاحيات العملية التفاوضية بين النقابات وأرباب العمل أو السلطات لتشمل جوانب كثيرة ومتنوعة من حياة الشغالين في مواقع العمل وخارجها. هذا بشكل عام أما فيما يخص تجربة الاتحاد العام التونسي للشغل فإنّ تجربته الطويلة في مجال السياسة التعاقدية وخاصة منذ منتصف السبعينات بوّأته مكانة كبيرة في مجمل السياسات الاجتماعية لمنظومة الحكم (في عهد بورقيبة وبن علي على حد السواء).

يعود تاريخ إرساء الاتفاقيات القطاعية والعقود المشتركة إلى بداية السبعينات وتم توسيع العمل بها تدريجيا وكان من المفروض أن يقع تعميمها في "العقد الاجتماعي" لسنة 1975 لولا الخلاف بين الاتحاد وحكومة الهادي نويرة آنذاك والذي انتهى إلى الانتفاضة العمالية التاريخية المعروفة بأحداث 26 جانفي 1978.

تضمّن العقد الاجتماعي في نسخته الأصلية تنظيم العلاقات الشغلية في عموم قطاعات الإنتاج وإرساء نظام للأجور والزيادة فيها في مفاوضات دورية ربيع كل سنة للاتفاق حول نسبة الزيادة في الأجور لتحسين المقدرة الشرائية إذا ما أفضى الحوار بين الطرفين إلى اتفاق حول ما يوجب الزيادة بناء على دراسة المؤشرات الاقتصادية (نسبة التضخم الخ...).

كان من المفروض أن تؤدي تلك الصيغة إلى نظام ربط الأجور بالأسعار وهو من أفضل الصيغ في الزيادات في الأجور (شرط ألّا يقع الالتفاف عليه في مستوى التفاصيل التقنية مثل مكونات قفة الاستهلاك وطريقة احتساب نسبة التضخم الخ...). غير أنّ أحداث 26 جانفي 78 والانقلاب على المنظمة النقابية والزج بالقيادة الشرعية في السجن وتنصيب قيادة موالية أنهى تلك التجربة. وحتى عندما عاد الاتحاد "إلى الحياة والعمل" فقد ماطلت حكومة مزالي في إحياء المفاوضات واشترطت شرطا جديدا مختلفا عنوانه "ربط الأجور بالإنتاج والإنتاجية" الذي رفضته المنظمة النقابية إلى غاية اندلاع أزمة 1985 التي شهدت مرة أخرى انقلابا جديدا على الاتحاد وتنصيب "الشرفاء" مع تحريك بيادق النظام لشق صفوف الحركة النقابية وخوض غمار تعددية نقابية مسقطة تجسمت فيما يسمى "الاتحاد الوطني للشغل".

عرفت تونس في المنتصف الأول من الثمانينات تقلبات كثيرة وسريعة انتهت سنة 1987 بانقلاب 7 نوفمبر الذي سمح في إطار مساعيه لكسب ثقة الشعب والشغالين بانعقاد المؤتمر الاستثنائي للاتحاد العام التونسي للشغل (أفريل 1989 بسوسة). وقد عرفت فترة حكم بن علي نمطا جديدا من المفاوضات الاجتماعية تمثل فيما يسمى بـ"الزيادات الثلاثية" أي الزيادة في الأجور مقسطة على ثلاث سنوات مقابل التزام النقابات بالسلم الاجتماعي وبعدم رفع مطالب ذات انعكاس مالي طيلة تلك المدة.

وبصرف النظر عن كل هذه الصيغ وإيجابياتها أو سلبياتها فإنها أضفت على العمل النقابي نوعا من المصداقية وأكسبته جماهيرية محترمة. لقد وجد العمال في النقابات إطارا للدفاع عن مطالبهم خاصة في بعض الفترات التي شهدت حركات إضرابية قوية (بداية التسعينات مثلا). لذلك أقدموا على الانتساب إليها والتنافس على المسؤوليات النقابية في جميع مستويات الهياكل (قاعدية ووسطى ومركزية) حتى أصبح المسؤولية النقابية نفسها – والحقيقة تقال – مصعدا اجتماعيا لشريحة واسعة من الإطارات النقابية.

لقد اكتسب الاتحاد العام التونسي للشغل على مرور السنين الطويلة من تجربته سواء كان في وضع صراع مع السلطة الحاكمة أو في حالة وئام معها، مصداقية كبيرة لدى عموم العمال كما لدى عموم التونسيات والتونسيين وذلك بسبب ما حققه من مكتسبات مادية (زيادات في الأجور ومنح ومنافع عينية مختلفة) أو مهنية (الاتفاقيات القطاعية المشتركة والقوانين الأساسية وما تضمنته من حقوق) حتى وإن استغلتها منظومة الحكم لتمرير خياراتها الاقتصادية والاجتماعية بتزكية من الاتحاد مثل الإصلاحات الاقتصادية (التفويت في المؤسسات وتحرير الاقتصاد وتطبيق توصيات برنامج الإصلاح الهيكلي بشكل عام) واتفاقية التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي الخ...

إنّ تراجع قيس سعيد في ما تم التنصيص عليه في قانون الحوار الاجتماعي وما حفلت به تشريعات الشغل في تونس من حقوق مكتسبة في مجال الحوار والتفاوض والتمثيل في هياكل التسيير لا يعني فقط تهرّب منظومة حكمه من التزاماتها الاجتماعية باعتبارها كما هو معروف في منظومة العلاقات بين الأطراف الاجتماعيين في تونس راعية للسياسة التعاقدية والعلاقة بين طرفي الإنتاج (رأس المال والعمل) وإنما هو خطة على غاية من الخطورة تهدف استراتيجيا إلى نسف أساس من أسس مصداقية النضال النقابي وهياكله.

إنّ الهدف من إلغاء كل أشكال التفاوض بين النقابات من جهة والمصالح الإدارية للدولة وأرباب العمل من جهة ثانية هو إفراغ العمل النقابي من مردوديته في نظر المنخرطين وسعي إلى دفعهم إلى هجران الهياكل النقابية لعدم جدواها، الأمر الذي يجعلها شيئا فشيئا عرضة للتلاشي والموت. هذا هو المغزى الحقيقي لقرارا قيس سعيد بمنع المفاوضات الاجتماعية في كل أشكالها وإطلاق حملات دعائية كاذبة حول اعتزام حكومته سن زيادات في الأجور من جانب واحد وفي غياب الطرف النقابي. وهو كما سبق قوله في مناسبات سابقة (2) ينضاف إلى تراجعات أخرى في العديد من المجالات التي تهم حقوق العمال وظروف العمل مثل الزيادة في الأجر الأدنى الصناعي والفلاحي وزي الشغل والرخص والتفرغات النقابية وحق النقابات في التمثيل في بعض مجالس الإدارة في بعض المؤسسات وخاصة الصناديق الاجتماعية الخ...

كل هذه الإجراءات التي ينضاف إليها هذه السنة إلغاء جولة المفاوضات الجديدة ثم توقيف العمل بالخصم المباشر لفائدة الاتحاد العام التونسي للشغل استكملت الصورة العامة لطبيعة السياسة الاجتماعية الفاشية التي يتبعها قيس سعيد في المجال الاقتصادي والاجتماعي والتي تهدف في نهاية المطاف إلى تجريد الطبقة العاملة التونسية من واحد من أهم أسلحتها في الدفاع عن نفسها وهو الاتحاد العام التونسي للشغل.

إنّ كل الضجيج حول فساد البيروقراطية النقابية (ولئن كان حقيقة) لتبرير هذه القرارات المعادية للاتحاد وللعمل النقابي وللعمال ليس إلاّ طريقة للتمويه وللخداع من أجل تمرير جريمة القضاء على "معلم" تاريخي وصرح عظيم في تاريخ تونس هو الاتحاد العام التونسي للشغل رغم كل ما يمكن أن تكون مآخذنا ونقودنا لأخطاء قياداته وانحرافاتها.

يتبع

هوامش
1 – ينطلق العمل بهذا القرار ابتداء من شهر فيفر 2026 وقد سبق أن استعملته السلطة في عهد حكومة مزالي في ما يعرف بأزمة 1985 في مسعى منها إلى تركيع الاتحاد آنذاك بقيادة الزعيم النقابي الحبيب عاشور.

2 – أنظر مقالي بعنوان "عاد الفاتح من ماي .. وضاعت مكاسبه" على الرابط التالي:
جيلاني الهمامي - عاد الفاتح من ماي... وضاعت مكاسبه