الانسحاب الأمريكي من سوريا بين إعادة التموضع وبين التخلي عن النفوذ
أحمد جميل حمودي
2026 / 2 / 16 - 02:37
الجغرافيا لا تتحرك، لكن الاستراتيجيات تتحرك فوقها. الولايات المتحدة محاطة بمحيطين (الأطلسي والهادئ)، ولها عمق جغرافي آمن، بينما تقع روسيا في قلب كتلة برية واسعة ذات حدود مفتوحة ومصالح متشابكة مع الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا. لذا حين جاء دونالد ترامب لم يأتِ بفلسفة منقطعة عن التاريخ الأمريكي، بل عبّر بوضوح عن تيار قديم في الداخل الأمريكي: تقليل الكُلف الخارجية، وتحميل الحلفاء مسؤوليات أكبر، وربط التدخل بالمصلحة المباشرة.
وفي هذا السياق، يأتي إعلان تسلّم الحكومة السورية الجديدة لقاعدة "التنف" بعد انسحاب القوات الأميركية، ليبدو في ظاهره خطوة واضحة، لكن في عمقه يفتح مساحة واسعة للتأويل. فالمشهد لا يُقرأ فقط بما جرى في التنف، بل بما لم يجرِ في الحسكة. لماذا الانسحاب من موقع استراتيجي على تقاطع ثلاثي حدودي (سوريا والاردن والعراق)، مع الإبقاء على قواعد أميركية في الجزيرة السورية؟ حيث أوضحت مصادر عسكرية سورية على تنسيق مع القوات الأمريكية، للجزيرة نت، أنه لم يتبق قواعد أمريكية في سوريا بعد الانسحاب من التنف سوى قاعدتي قسرك في القامشلي وأخرى قرب رميلان
هنا تُقرأ الاجراءات الامريكية إما على أنه نية لتقليص الدور الامريكي العسكري المباشرفي سوريا أو أنه إعادة لترتيب أولويات الامريكي الميدانية وفق حسابات أدق. وهنا الفارق بين الاحتمالين ليس لغويًا، بل استراتيجي. ما أعنيه في الحالة الاولى أن الولايات المتحدة قد قررت بالفعل تقليل وجودها العسكري في سوريا، وربما تقليل تدخلها في العمليات الميدانية اليومية. هذا التفسير يعني نوعًا من الانكفاء أو الانسحاب الجزئي من ساحات القتال المباشر. بينما في الحالة الثانية تعني أن واشنطن لم تتراجع عن نفوذها، بل تعيد توزيع قواتها ووجودها بطريقة أكثر دقة وحسابًا، بحيث تركز على المواقع أو الأهداف الأكثر استراتيجية، وتقلل المخاطر أو التكاليف المباشرة. هنا، لا يكون الهدف الانسحاب، بل إعادة ضبط القوة والموارد لتكون أكثر فاعلية.
من هنا فإن الإبقاء على مواقع في محافظة الحسكة، حيث تنتشر قوات قسد، يفتح باب القراءة السياسية. هل ما زال هناك سقف أميركي غير معلن يحكم شكل التحرك في تلك المنطقة؟ أم أن الأمر يتعلق بترتيبات انتقالية ريثما تتبلور صيغة جديدة للعلاقة بين دمشق وقسد؟ الاحتمالان قائمان، لكن الثابت أن شمال شرق سوريا (الجزيرة) لن يُترك في فراغ سياسي عسكري والذي هو مساوِ للفوضى.
في سياق آخر فإن تحركات قسد باتجاه باريس خلال الأيام الماضية أضافت بُعدًا أوروبيًا إلى المعادلة. فرنسا، التي تحافظ على حضور سياسي وأمني في الملف السوري، لا تنظر إلى الشمال الشرقي بوصفه تفصيلًا عابرًا. ويبدو أنه كان هناك ضغطا فرنسيا غير مباشر على الولايات المتحدة لضمان عدم حدوث تحول مفاجئ يخلّ بالتوازن بين حلفاء امريكا وفرنسا. وهنا يبدو أن التنسيق الغربي في المنطقة لم يتفكك، بل أعاد تموضعه هو الآخر.
بعض التحليلات الأميركية، ومنها ما نُشر في واشنطن بوست، تتداول فكرة اللامركزية الموسعة كخيار واقعي. الطرح لا يتحدث عن تقسيم، بل عن صيغة حكم ذاتي إداري ضمن وحدة الدولة السورية. وهذا يفسره شكل الاجراءات بين حكومة دمشق وقسد، والتي تُترجم في ضوء الاتفاق الاخير الغامض بين حكومة دمشق وقسد، والذي يفسره كل طرف، في مواجهة جمهوره، لتخفيف الضغط عليهم، فبينما يراه أنصار دمشق انتصار لسلطة الدولة يراه انصار قسد أنه تثبيت لسلطة قسد في منطقة الحسكة، باستثناء الاطراف العربية كمنطقة الشدادي.
أما التزامن بين الانسحاب من الداخل السوري وتعزيز الحضور في العراق والأردن، فيكشف بعدًا آخر. فقد لا يفسر كانسحاب فعلي للولايات المتحدة من سوريا بل انتقال تكتيكي إلى بيئة حليفة رسميًا، مما تمنح واشنطن قدرة تدخل سريعة وتخفض مستوى الاحتكاك داخل الأراضي السورية. هنا يبرز التفسير الجيوستراتيجي بوضوح: تقليص التمركز المباشر لا يعني التخلي عن القدرة، بل إعادة توزيعها على خطوط أكثر أمانًا.
الصحافة الأميركية بلورت، بأكثر من طريقة، هذا التباين في القراءة. فمثلا CNN ربطت الخطوة بإعادة ترتيب الأولويات العالمية، في ظل انشغال واشنطن بملفات أكبر. بينما ركزت Fox News على مخاطر الفراغ واحتمال تمدد خصوم الولايات المتحدة. أما The Washington Post فقد تعاملت مع المسألة كمرحلة اختبار لقدرة الحكومة السورية على ضبط الأمن ومنع عودة تنظيم الدولة. وهذه القراءة الأخيرة مهمة للغاية في ظل محاولة حكومة دمشق ملء الفراغ الامريكي في سوريا، وهي التي أمامها تحديات جمة من تحركات فلول الأسد داخليا وخارجيا وملف السويداء المعلق وربما الملف الأخطر خلايا تنظيم الدولة، الذي سيضع حكومة دمشق على المحكّ، وهي التي تلقى ارتياحا من واشنطن طالما اعتبرت- أي حكومة دمشق- لديها الخبرة الكافية لتفكيك خلايا التنظيم. فضلا عن تحدي الملف الاقتصادي، بعد انهيار للاقتصاد، والذي قد يترجم مستقبلا في شكل عدم استقرار سياسي، في ظل تزايد المطالبات من الحاضنة الشعبية لحكومة دمشق في حل مشكلة غلاء المعيشة وتفكيك المخيمات.
وكصورة أكبر للمنطقة (قراءة مكبّرة)، فإن الشرق الأوسط بالنسبة لأمريكا لم يعد كما كان في تسعينيات القرن الماضي. الطاقة لم تعد ورقة الضغط نفسها، والاهتمام الاستراتيجي تحوّل نحو منافسة الصين واحتواء روسيا. لكن هذا لا يعني ذلك أن المنطقة فقدت قيمتها بل إنها أصبحت ساحة لتثبيت توازنات دون تورط عسكري واسع.
وما يحدث من انسحابات أمريكية ليس بعيدا عن إيران، فإعادة التموضع الامريكي يفسر بقدرة الولايات المتحدة على إشهار ورقة تنظيم الدولة متى شاءت في وجه حكومة العراق، طالما أرادت هذه الاخيرة المزيد من التحالف مع ايران. أي أن الأمريكي يريد تفكيك ورقة التحالفات بين ايران ودول المنطقة، والورقة العراقية من الاوراق الصعبة التي تمتلكها ايران بالطبع.
ضمن هذا السياق، يمكن النظر إلى الانسحاب كاختبار مزدوج: اختبار لقدرة دمشق على إدارة الأمن، واختبار لمدى قابلية شمال شرق سوريا (الجزيرة السورية) للاندماج في صيغة سياسية مستقرة. إذا نجح المسار، يصبح الانكفاء الأميركي أكثر ديمومة. وإذا تعثر، تبقى أدوات العودة جاهزة.
إعادة التموضع الأمريكي إذن لا تعني انسحاباً بقدر ما تعني إعادة توزيع للقوة. هي قراءة جيواستراتيجية لموازين القوى، ومحاولة لتقليل الكلفة وتعظيم المكاسب. قد يبدو المشهد أحياناً وكأن أمريكا تبتعد، لكنها في الواقع تعيد رسم خطوط نفوذها بطريقة أقل صخباً وأكثر براغماتية.
وقد عبّر عن هذه القراءة لقاء مكي، الباحث الأول في قناة الجزيرة، في لقاءه على قناة الاخبارية السورية، حيث اعتبر أن ما يجري ليس تراجعاً أمريكياً، بل انتقال مدروس من الوجود العسكري الثقيل إلى إدارة توازنات من الخارج، بما ينسجم مع أولويات أوسع في النظام الدولي.