في كزمولوجيا الأرض!


ادم عربي
2026 / 2 / 15 - 00:18     

بقلم : د. ادم عربي
قبل أشهر قليلة  تبين أن عمر الكون أطول ممّا قدرناه سابقاً. فقد تمكن العلماء من رصد مجرة تبعد مسافة تزيد بنحو ستمائة مليون سنة ضوئية عما كان يُعد الحد الأقصى للرصد. وبهذا الاكتشاف ارتفع العمر التقديري للكون من 13.8 إلى 14.4 مليار سنة. ولا يُستبعَد أن تحمل الأيام القادمة كشفاً أبعد في هذا الكون، فيتمدد الرقم مرّة أخرى، كما لو أنّ الزمن نفسه ما يزال قيد المراجعة.
مصطلح عمر الكون" لم يكن مألوفاً من قبل ، بل كان يتبع غالباً لعلم اللاهوت وبعض الفلسفات القديمة ؛  أما اليوم فإنّه ثمرة نظرية الانفجار العظيم وإن كانت النظرية نفسها تعاني من عيوب لكنها أفضل الموجود. قبلها كان الحديث عن أزلية الكون هو المهيمن في التصور الكوني. أمّا بعد أن قيل إنّ الكون وُلد حسب نظرية الانفجار الكبير، صار السؤال "متى وُلد؟", سؤالاً  مشروعاً . لكن ليس لك أن تسأل: "أين وُلد؟".
لماذا؟ لأنّ النظرية نفسها تقول إنّ الزمان والمكان وُلدا معه، لا قبله ولا خارجه. فالكون لم يولد في الزمان والمكان، بل وُلِد الزمان والمكان معه. وعليه، فإنّ عمر الكون هو ذاته عمر الزمان وعمر المكان.
أنت ترى القمر لقربه، وترى مجرة ببعدها الهائل بواسطة التلسكوبات الهائلة ؛ لكنك لن ترى الكون كله أبدا. فلكي ترى الشيء بكليته ينبغي أن تقف خارجه، وليس للكون خارج. إنّها واحدة من الحدود البنيوية في علم الكون.
حين افترضوا أن عمر الكون 13.8 بليون سنة، ثم اكتُشفت تلك المجرّة الأبعد، أُضيفت 600 مليون سنة إلى عمره. المسألة ليست رقماً يعدل فحسب، بل معنى يتسع.
إذا كانت الشمس تبعد عنا ثماني دقائق ضوئية، فإنّ تلك المجرة تبعد 14.4 بليون سنة ضوئية. والأبعد عنا هو الأقدم زمناً بالنسبة إلينا، لأننا لا نراه كما هو الآن، بل كما كان. وهو، في الوقت نفسه، الأسرع ابتعاد عنا بفعل تمدد الفضاء.
ماذا يعني أن نرى مجرّة تبعد 14.4 بليون سنة ضوئية؟
يعني أن الضوء الذي التقطناه انطلق منها قبل 14.4 بليون سنة، واستغرق كل هذه المدة ليصل.  وهذا يعني أننا  لا نرى حاضرها، بل ماضيها السحيق.
تخيل مصور في تلك المجرّة التقط لها صورة قبل 14.4 بليون سنة، ثم انطلق نحونا بسرعة الضوء حاملاً الصورة. وصل الآن، فرأينا ما حمله. ما رأيناه هو ما كانت عليه، لا ما هي عليه الآن.
لكن هذا المسافر لم يقطع مسافة ثابتة. فالفضاء بين مجرتنا درب التبانة وتلك المجرة كان يتمدد، بل يتسارع في تمدده. عند انطلاق الضوء كانت المسافة أقل بكثير مما صارت إليه عند وصوله. ولو أمكن للمسافر أن يرى المشهد لوجد مجرته ترتد إلى الخلف، والمسافة بينه وبيننا تتزايد وهو في الطريق. إنه يقطع مسافة تتمدد تحته، ومع ذلك يصل  لأنه الأسرع في الكون حيث يسير بسرعة الضوء.
الصورة أخبرتنا أمرين فقط ؛ الأول كيف كانت تلك المجرّة آنذاك، والثاني وكم قطع الضوء حتى بلغنا. لكنها لا تخبرنا؛ هل هي موجودة الآن؟ وأين تقع الآن؟
فإن كانت لا تزال موجودة، فهي اليوم أبعد بكثير من 14.4 بليون سنة ضوئية، لأن الفضاء لم يتوقف عن التمدد. ولو أردنا رؤية صورتها الآن ، فعلينا انتظار ضوء جديد لن يصل إلا بعد زمن يتجاوز بكثير هذا الرقم نفسه ؛ الكون يتمدد.
هكذا يتبين أن معظم ما نراه هو "الكون في طفولته". نحن نحدق في الماضي أكثر مما نرى الحاضر البعيد. فهل يمكن تجاوز هذا الحاجز المعرفي الهائل؟
الجواب: لا. لأن المعلومة نفسها تسير بسرعة الضوء، وهي الحد الأقصى في الكون. فإذا كانت عاجزة عن اختراق هذا الحاجز، فكيف بنا؟
يبقى حل نظري واحد تقترحه النسبية العامة عند ألبرت آينشتاين وتتمثل في" تباطؤ الزمن" .
لو سافر إنسان بسرعة تقترب من سرعة الضوء إلى تلك المجرة ثم عاد، فقد تمر  بحسب ساعته اليدوية التي يضعها على معصمه دقيقة واحدة فقط. لكنه عند عودته لن يجد الأرض كما تركها ، هذا إن وجدها اصلا؛ فقد تكون قد زالت منذ بلايين السنين. عمره ازداد دقيقة، لكن عمر الأرض ازداد دهورا وبلايين السنين. فهل لرحلته من جدوى؟
هكذا، كلما اتسع أفقنا الزمني اتسع ماضينا، لا حاضرنا. إنّ ما نكسبه مع كل تلسكوب جديد ليس اقترابا من "لآن" الكوني، بل غوص أعمق في طبقات التاريخ الكوني. نحن لا نرى الأشياء كما هي، بل كما كانت حين غادرها الضوء. وكلما ازددنا قدرة على الرصد، ازددنا وعيا بأن الحاضر البعيد ليس في متناولنا.
إنّ الكون لا يبخل علينا بالضوء، لكنه يفرض علينا شرطه؛ أن نراه وفق سرعته هو، لا وفق توقنا نحن. فالمعلومة تسير بسرعة الضوء، وهي حد لا يخترق. وما يقع خارج أفقنا الكوني ليس مخفيا لقصورٍ تقني، بل لحد بنيوي في طبيعة الزمكان ذاته. هناك مناطق قد تكون عامرة بالمجرات والنجوم، لكنها بالنسبة إلينا تظل احتمالات نظرية، لا مشاهد مرصودة.
وهكذا نعيش مفارقة معرفية عجيبة ؛ كلما تقدّم العلم، اتضح الحد الذي لا يمكن تجاوزه. لسنا محاطين بجدارٍ مادي، بل بأفقٍ ديناميكي يتراجع كلما نظرنا أبعد، لكنه لا ينكشف كاملاً أبدا. إننا نرصد الكون في طفولته، في شبابه المبكر، في أطواره الأولى، بينما يبقى حاضره البعيد منفصلاً عنا بزمنٍ لن نلحق به.
ربما ليست المشكلة أننا لا نرى كل شيء، بل أن طبيعة الرؤية نفسها زمنية. أن ترى يعني أن تنتظر. وأن تعرف يعني أن تستقبل أثرا قديما. نحن أبناء الضوء المتأخر، لا شهود اللحظة الكونية الآنية.
هكذا يعلمنا علم الكون درساً وجوديا صامتاً وهو أن
المعرفة توسع حدود الفهم، لكنها تكشف في الوقت ذاته حدود الإمكان. وكلما اتسع الكون في وعينا، ازداد تواضعنا أمامه.