نظرة إشتراكية: ما هو العمل
عائد ماجد
2026 / 2 / 13 - 22:48
إن تحقيق الحاجة المالية هو الهدف الذي يسعى له أي نظام اقتصادي، وبذلك يكون دخول السوق عن طريق عرض السلع هو المحرك الأساسي للاقتصاد، سواء كان اقتصاداً ريعياً أو إنتاجياً بالمعنى الحقيقي؛ فهو يجب أن يطرح سلعة في السوق.
فالريع مثلاً يسعى إلى طرح سلعته في السوق كالنفط ليأخذ الناتج ويوزعه، وهكذا يعيد العملية. وحتى إن لم يكن ريعياً بمعنى بيع السلع، كالنظام الريعي القائم على خدمة معينة مثل الدول التي تمتلك منفذاً مهماً أو شيئاً من هذا القبيل، فهذه النظم تقدم خدمتها من خلال طرح سلعة في السوق، أو تمرير ما يُطرح في السوق، أو تلبية حاجات أخرى. وكذلك هو النظام الإنتاجي حيث ينتج السلع ليطرحها في السوق.
بذلك نرى أهمية السوق. فما هو السوق؟ السوق هو العلاقة الاقتصادية التي تقام بين الأفراد أو القوى الاقتصادية، حيث يتم فيه تبادل السلع ومقايضتها بشكل دائم ومتحرك، ويكون الأساس فيه طرح السلع وتبادلها حسب الحاجة.
وهكذا بدأت النظم الاقتصادية في العالم القديم وفي مدن العالم القديم، حيث أدرك الإنسان بعد إقامته للمدن أنه غير قادر على صنع كل ما يحتاج، ولا يمتلك كل ما يحتاج مهما بلغت ثروته أو حالته الاقتصادية أو مكانته في المجتمع. لذلك كان من الضروري ظهور السوق، وهو المكان الذي يتم فيه تبادل السلع، وليس مكاناً مادياً بالضرورة بقدر ما هو يعبر عن العلاقة التبادلية للناس في سلعهم وحاجاتهم والخدمات التي يمكن لهم تقديمها.
وبقي السوق مع هذه الحاجة الملازمة للإنسان لمبادلة سلعة بما يحتاج وبما يمكن له تقديمه. لكن هل السوق بذلك كيان حيادي أو عادل بذاته؟ هل يمكن له صنع الظلم أو يمكن له أن يضمن العدالة إن تُرك بمفرده؟ وهل يمكن أن يُترك السوق بمفرده؟
إن ما يمكننا ملاحظته هو أن السوق ليس مكاناً موجوداً بدون وجود البشر، بل إن حاجة البشر إلى بعضهم هي التي كوّنت السوق. فلولا حاجة الإنسان إلى الخبز لما احتاج الخباز إلى شراء الطحين ممن يطحن الحبوب، ولم يحتج من يطحن الحبوب إلى شراء الحبوب من الفلاح.
فمن يمكنه أن يكون فوق هؤلاء جميعاً؟ هو الشخص الذي يمتلك القدرة على تغيير سعر الحبوب، وعلى شراء عمل الفلاح، أو هو من يمتلك الأرض. وبعيداً عن هذا، لا يمكن اعتبار السوق كياناً محايداً أو قادراً على ضمان العدالة أو مساواة الحقوق؛ لأن هذه ليست من أولويات السوق إن كانت له أولويات أصلاً، لأنه علاقة تبادلية بين الأشخاص وبعضهم، وليس غاية بمفرده، بل وسيلة نستعملها. فهو تابع للأشخاص أو حتى للمؤسسات.
ويمكن لنا تقسيم البشر داخل السوق أو النظام الاقتصادي بشكل كامل إلى قسمين: الأول هم أصحاب القدرة على الطلب بشكل أكبر من غيرهم، وكذلك القادرون على عرض السلع والخدمات بشكل أكبر من غيرهم، ويمكن أن نطلق عليهم أصحاب رؤوس الأموال. فهم فئة قادرة على عرض السلع والخدمات بشكل أكبر، ويمتلكون القوى الإنتاجية التي تجعل غيرهم بحاجة لهم، لأن الأفراد بذواتهم ليسوا قادرين على الإنتاج لعدم توافر المال الكافي أو لعدم امتلاكهم رأس المال وعدم سيطرتهم على وسائل الإنتاج.
وهؤلاء هم فئة العمال، أو من يحتاجون لأصحاب رؤوس الأموال لاستمرار الإنتاج. فهم يمتلكون الوقت والعمل. وبحكم أن الفئة الأولى هي الفئة التي تمتلك القدرة على عرض السلع بشكل أكبر، وهي القادرة على طلب الخدمات بشكل أكبر، فتكون الفئة الثانية هي التي تنتج، بينما تأخذ الفئة الأولى الربح لأنها من تمتلك رأس المال ووسائل الإنتاج.
وبسبب تطور السوق منذ نشأته أقام السوق مفهوم المال، وهو الذي يمكننا من خلاله شراء السلع، ونحصل عليه من خلال البيع. وعندما تملكت الفئة الأولى وسائل الإنتاج، أصبحت هي القادرة على تسيير السوق، وأصبحت الطبقة الثانية محتاجة إلى هذا المال بشكل أكبر من غيرها. وبما أنها لا تمتلك القدرة على إنتاج السلع بمفردها، كونها لا تمتلك رأس المال الكافي، أصبحت تقدم العمل لمن هو قادر على إنتاج السلع بمقابل. وهذا ما يسمى العمل المأجور، وهو العمل الذي أبيعه لأصحاب رؤوس الأموال أو أصحاب وسائل الإنتاج أو أي فئة أخرى قادرة على شرائه، لأنهم من يمتلكون القدرة على دخول السوق، ويدخلون السوق من خلال السلع أو الخدمات التي أعمل عليها كعامل، فيأخذون قيمتها، وآخذ أنا مردوداً أو نسبة مادية قليلة كمرتب، كوني عاملاً.
فهو كأني أبيع عملي، وهذا ما أفعله فعلاً. العمل هو القدرة الإنتاجية؛ حيث أمتلك ما يمكنني من صنع سلعة ما، وهو الوسيلة الوحيدة التي يمتلكها من لا يملكون وسائل الإنتاج للحصول على المال.
والسؤال: هل العمل حاجة؟ يمكن الإجابة بأنه حاجة فعلاً. فمنذ القدم، حتى قبل أن تتطور المجتمعات البشرية لهذا الحد، كان المجتمع الإنساني فردياً إلى حد ما أو قليل الأفراد، وكانت من حاجات الإنسان أن يقيم العلاقات التبادلية بالسلع داخل السوق، فكان العمل موجوداً منذ ذلك الحين، وبقي يتطور كلما تطورت وسائل الإنتاج، وتزداد الحاجة إلى المال الذي كان ضرورياً لشراء السلع. وحتى الثورة الصناعية التي قفزت بالإنتاج وصنعت الفرق الشاسع بين من يملكون وسائل الإنتاج وبين من يعملون لهذه الوسائل من أجل المال.
لذا فإن العمل أساس الإنتاج، وهو ناتج عن الحاجة، والإنتاج ضروري لتلبية هذه الحاجة، وكل ذلك يجري داخل السوق.