مجداً لذكرى الشهيد منقذ عبد المجيد المبارك


كمال يلدو
2026 / 2 / 12 - 04:54     

تعيش أنظمة القمع والاستبداد على قتل المناوئين والمعارضين لها ، وتعيش الحركات الثورية ليس فقط على برامجها وتطلعها للمستقبل، بل على مبدأ مقارعة الظلم والدفاع عن الجماهير ، ويلتحم الطرفان ، وعادة ما تكون النتيجة لصالح أنظمة الاستبداد، صحيح ! لكن المفارقة تكمن ، في ان سقوطا واحدا للنظام الاستبدادي سيعني خروجه من دائرة الزمن .هذه الحقيقة يعيها الطرفان ولهذا تحتدم المعارك ، ولكم ان تنظروا قليلا الى تاريخ العراق الحديث وخاصة مع نظام البعث، والنهاية المستحقة له، لكن السؤال يبقى: هل يكفي سقوط النظام الاستبدادي فقط ، ام تحصين البلد بالقوانين والتشريعات وضمان الحرية والمساواة بغية عدم عودة الاستبداد ،وهنا نسأل إن كانت دماء الشهداء التي سالت قد أسست لمستقبل زاهر للعراق ام لم يحن الوقت بعد !
*****
ولد الشهيد منقذ عبد المجيد المبارك في (حي المعرفي) بمدينة البصرة عام ١٩٦١، بعد انقلاب ٨ شباط ١٩٦٣ الدموي تم اعتقال والده الذي كان معلما ونائب رئيس نقابة المعلمين، وبعد اطلاق سراحه تم نقله إداريا مع زوجته (المعلمة أيضا) الى قضاء الدغارة في الديوانية، ثم انتقلت العائلة الى بغداد عام ١٩٦٧. درس منقذ الابتدائية في (مدرسة النبوغ) بمنطقة المشتل ببغداد، ولكون والدته كانت معلمة فيها . كان مستواه الدراسي جيدا وكان يجيد العزف على آلة الكيتار ويغني ويملك صوتا رائعاً . تفتحت عيون الشهيد منقذ في عائلة يسارية الهوى والفكر والمعتقد والنشاط ! كانت ثلاث من عماته ناشطات شيوعيات ، واشتركت اثنان منهن في مؤتمر السلام بموسكو عام ١٩٥٧، وتم اعتقالهم بعد عودتهن للعراق بشكل سري عن طريق الكويت . واحدة من العمات مازلت على قيد الحياة (ناطقة المبارك) وهي تعيش في اقصى نقطة بعيدة عن العراق، نيوزيلندا . اما اعمامه فكانوا يساريون أيضا ، العم الأوسط توفي مبكرا بحادث حرق ، والاصغر عدنان المبارك كان ناقدا سينمائيا أكمل دراسته للفيزياء الذرية في كييف / أوكرانيا وكان قد توفي ودفن هناك منذ حوالي عشر سنوات .
امام هذه الأجواء اليسارية المحيطة بالأسرة، جاء التأثير الأكبر من شقيقه (ثائر) الذي كان له شرف ربطه بالتنظيم عام ١٩٧٧ ، ولسوء الحظ، فإن تلك الأجواء سرعان ما انقلبت وتلبدت سماء العراق بالإرهاب البعثي من جديد مع نهاية العام ١٩٧٨، لكن اسم منقذ أو وضعه لم يكن معروفاً مما جنبه الملاحقة المباشرة . تمض الأيام والليالي ثقيلة على الموجودين في السجون او خارجها، وبالنسبة الى منقذ الذي استمر عمله الحزبي ولو بوتيرة ابطء ، لكن يوم ٩ آذار ١٩٨١ كان يوما مشهوداً ، فقد جرت محاولة اعتقال شقيقته ( سحر – الشهيدة لاحقاً) من الشارع ، لكنها افلتت من رجال الامن بأعجوبة ، وروت الحادثة لعائلتها ، فنصحوها بالذهاب الى بيتها ، إذ انها كانت متزوجة ، وبيتها اصلاً لم يكن بعيدا ، وفي الاثناء ذهب معها شقيقها الأصغر منقذ ، وحينما حل المساء ، داهمت قوة كبيرة من الامن منزل (سحر) بغية اعتقالها ، وما كان من شقيقها (منقذ) إلا ان يهب دفاعا عنها ووصل الامر حد تبادل اللكمات مع رجال الامن ، وفي الاثناء اعتقلوه أيضا .انقطعت اخبارهما بشكل نهائي رغم المحاولات اليائسة من العائلة لمعرفة أيّ شيء، لكن لم يكن هناك ما يطمئن حتى نهاية العام ١٩٨٣، إذ تم تبليغ والده بإعدامهما ( منقذ وشقيقته سحر)، مع رفض تسليم جثامينهم . ، ولم يدم وضع الوالد طويلا بعد هذا الخبر الذي وقع كالصاعقة عليه ، إذ تدهورت صحته حتى رحل عن عالمنا عام ١٩٨٦ في بغداد.
لم تكن أوضاع العوائل سهلة في تلك الظروف، فكان ممكنا ان يؤدي أي موقف تعاطف او تضامن مع تلك العائلة الى مصير غير معلوم، كانت الناس خائفة ومرعوبة عدا من عمة الشهيد (ناطقة المبارك) التي لم تكن تخشى شيئا، اذ بقيت على تواصل دائم مع العائلة.
لقد قُلبت حياة هذه العائلة رأساً على عقب نتيجة اعتقال سحر ومنقذ، وتغّيبهم ومن ثم اعدامهم وعدم تسليم جثامينهم ، فالوالد توفي والوالدة والاخوة اضطروا لمغادرة العراق .
بعد سقوط النظام عام ٢٠٠٣ ، وظهور قائمة شهداء الحزب الشيوعي العراقي ال (١٦٧) ، سعت العائلة لمعرفة مكان دفنهم، وكانت النتيجة انهم دفنوا جماعيا مع رفاقهم ورفيقاتهم في مقبرة (محمد السكران) ببغداد .
** هذه المعلومات والصور تكرم بتقديمها لي شقيق الشهيدة الأستاذ ( ثائر) : مواليد العام ١٩٥٩، ترك الجامعة المستنصرية وهو في الصف الثالث عام ١٩٧٩، وصل بعدها الى العاصمة الجيكية براغ ، درس وحصل على درجة الماجستير في العلاقات الاقتصادية الدولية، متزوج من زميلته في الدراسة الجزائرية الجنسية ، ولديهم ابنتان غاليتان ، عالية وياسمين ، اما عالية فهي الأخرى متزوجة ولديها ابنة اسمها (إيلا) ذات الأربع سنوات.
يختم ثائر حديثه بالقول : لسنا نادمون على أي شيء، العراق عراقنا وحكام الامس واليوم طارئون، العراق عراقنا نحن، نحن من معدن آخر لا علاقة له بمعدن حكام اليوم الذين ينظرون للعراق كغنيمة حرب، المرة الوحيدة التي قال فيها العراقيون رأيهم بصدق منذ سقوط النظام الدكتاتوري ، هي في انتفاضة تشرين المجيدة ٢٠١٩، والتي ارعبت السلطة البرجوازية الطفيلية تماما، المستقبل لنا لأنه لا خيار للعراق غير ذلك .
*** ولد الشهيد منقذ عبد المجيد عبد الجبار المبارك في البصرة عام ١٩٦١ ، وأعلن عن إعدامه في بغداد يوم ٧ آب ١٩٨٣ ( اعتقل بعمر ٢٠ عاما واستشهد بعمر ٢٢ عاما)
*** كان موقفه في المعتقل بطوليا ، ولم يتمكن الطغاة من انتزاع الاعتراف منه.
*** المجد والخلود للشهيد منقذ عبد المجيد المبارك
*** الخزي والعار لنظام البعث والجلاد صدام حسين، هو وكل من يدافع عنه
شباط ٢٠٢٦