الحرية في الاشتراكية: قراءة نقدية خارج النظرة الشمولية
عائد ماجد
2026 / 2 / 12 - 00:44
في الليبرالية لاحظنا نوع الحرية الموجود فيها وأطلقنا عليه الحرية السلبية، والذي يعني إمكانية الفرد لفعل ما يريد واختيار ما يريد، لكن الليبرالية في نفس الوقت لا تضع الشروط اللازمة لحفظ هذه الحرية ولا تنظر إلى أساس اختيار هذه الاختيارات وهذه الأفعال، وعلى ذلك تبني تقييمها للاقتصاد الجيد، وهو الاقتصاد القادر على توفير هذه التفضيلات دون النظر إلى من كوَّنها بطريقة استغلالية.
فلو أصبحت عاملًا، على سبيل المثال، وعملت لمدة 12 ساعة في اليوم، هذا لا يعني أنني حر من وجهة نظر ليبرالية، لكنني في واقع الأمر أصبحت عاملًا لأن الاختيار الآخر هو الجوع. الليبرالية لا تنظر إلى السوق على أنه سوق يوجد فيه الاستغلال والاحتكار، وتراه كائنًا محايدًا، ولا تنظر إلى صاحب رأس المال كشخص قادر على تسيير “الأحرار” الذين لا يملكون رأس المال بل يمتلكون الوقت والعمل.
إذا كانت هذه هي الحرية الليبرالية، فما البديل الحقيقي الذي يكفل الاستقلالية في الاختيار ويضمن حرية فعلية لا سلبية؟ الحرية في الاشتراكية تختلف عن الحرية الليبرالية، حيث تقول هذه الأخيرة إن الإنسان حر عندما يفعل ما يريد ولا يتدخل فيما يريد أحد، ولا تنظر إلى الظروف التي تكوّن ما يريد الفرد ويختاره، على خلاف الحرية داخل الاشتراكية، حيث تقول لك أن تكون حرًا في اختيارك مع إمكانية توفير الشروط الفعلية الممكنة لفعل ذلك من خلال إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وتكون أملاكًا اشتراكية، بذلك سيتم إلغاء الاستغلال الذي يتم من خلال أصحاب رؤوس الأموال.
فما إن يتم إلغاء هذا الاستغلال سيكون السوق أخف وأقل عدائية تجاه من يملكون الوقت والعمل، فستكون لديك حرية الاختيار ولدى الآخر حرية الاختيار، لكن من دون أن يملك رأس المال الذي يتيح له استغلالك، وهذه هي شروط الحرية الأساسية.
فعندما تكون لدي أطباق عديدة من الطعام أملكها أنا فقط وأنت معي على نفس الطاولة، فلن تأكل إلا ما أريد أن تأكل. فعندما أعطيك حرية اختيار طبق واحد بين طبقين سيئين، بكل تأكيد ستختار الطبق الأفضل أو على الأقل سوءًا بينهما. هل هذا يعني أنك حر؟ لا بكل تأكيد. فحريتك كانت أنني خيَّرتك بين شيئين، لكن من زاوية أوسع لن تختار أيًا من هذين الطبقين، على خلاف لو لم يكن أحدنا يمتلك ويحتكر الطاولة، ستكون الفرصة متساوية بيننا في أكل ما نريد من الأطباق الموجودة، ولن يكون واقعيين.
الاشتراكية في شق كبير منها بقيت نظرية، رغم كثرة التجارب التي تقول إنها اشتراكية وبأغلبها بالفشل، بينما بقيت الليبرالية إلى الآن مع الرأسمالية وإن غيَّرت بعض جوانبها، لكنها تمتلك نفس الهيكلية والمبادئ الأساسية. هل هذا لأن الاشتراكية فشلت فعلًا؟ هل هذا لأن الفكرة سيئة أساسًا؟ وهذا السؤال سؤال فعلي يستحق الإجابة.
هو السبب أنها، كما قلت، في شق كبير منها بقيت حبيسة النظريات والكتب، بينما أُتيحت لنخبة معينة السلطة فسيطرت على النماذج الاشتراكية الشمولية بسبب أسبقية التجارب الأولى للاشتراكية بهذا الشكل، فامتازت غيرها أيضًا بهذه الشمولية. لا يمكن لدولة شمولية أن ترسخ الحرية الفعلية، وهذا ما يمكن ملاحظته، فعندما تكون هناك طبقة واثقة من أنها الطبقة المسيطرة على النظام ولا يمكن تغييرها، بكل تأكيد ستتخلص من مفهوم الطبقات التي كانت تسيطر لأنها تمتلك رأس المال، سيكون لدينا نوع آخر، وهو الطبقة التي تسيطر لأنها تمتلك رأس المال وتمتلك النظام.
الحرية على الورق لا تجدي نفعًا مهما كان العنوان، ليبراليًا أو اشتراكيًا، يجب أن يحقق فعلًا حرية الإنسان من دون أن يكون هناك مسيطر عليه ومستغل له ومسخَّر لقواه. يكون الإنسان حرًا عندما يفعل ما يريد من دون وجود قيود استغلالية عليه، لا يمكن أن يكون الحر مستغَلًّا بأي جانب سياسي أو اقتصادي أو أي جانب آخر.
ولنكون مخلصين لمفهوم الحرية علينا التمييز أن مفهوم الحرية الليبرالية، أو الحرية السلبية كما أشرنا إليها، تكمن مشكلتها في أنها تنظر إلى الاختيارات ولا تنظر إلى السوق بطريقة جادة، طريقة ترى السوق كأنه مكان يوجد فيه الاستغلال ولا تتساوى فيه الفرص، بذلك هذا سيخلق طبقات بالضرورة هي قادرة على استغلال طبقات أخرى، طبقات لا تمتلك سوى العمل والوقت.
وبنفس الوقت يجب أن نعترف أن الحرية الإيجابية التي تدعو لها الاشتراكية هي حرية أن علينا أن ننظر إلى السوق كأنه مكان يوجد فيه هذا الاستغلال، لا ننظر إليه على أنه النعيم الذي تتساوى فيه الفرص، يجب أن ننظر إلى الرأسماليين على أنهم رأسماليون قادرون على استغلال الطبقات الأدنى.
لكن مشكلتنا بالدرجة الأولى ليست ليبرالية واشتراكية، مشكلتنا أخلاقية. يمكن لكل منا إنتاج المبدأ الذي يريد، ونظريًا يمكن لنا قول ما نريد، لكن ما هو الاختيار الذي يجب أن نسعى إليه؟ الاختيار الذي يجب أن نسعى إليه هو الحرية من دون قيود بشروط فعلية أستطيع العمل بحرية بها، لا تحتكر علي جميع الأطباق وتخيرني بين طبقين ثم تقول لي إنني حر في الاختيار بين هذين الطبقين، ولا تلغي لي هذا الاحتكار وتسيطر عليه بحجة أنك تمثل جميع المظلومين وجميع من استغلهم النظام الطبقي.
أنت لا تمثل الجميع. هذا النظام لا يمثل الجميع. المشكلة الأخلاقية أكبر من التسميات الاشتراكية أو الليبرالية. لا فائدة من خيار اشتراكي تجلب به طبقة أخرى تسيطر بدل الطبقة التي كانت مسيطرة بحجة أنها الطبقة المحررة، هذا ليس ما نريد. ما نريده هو إنسان يفعل ما يريد بشروط تتيح له ذلك بعيدًا عن هذه التسميات. نحن لا نحتاج إلى طبقات جديدة، نحن بحاجة إلى نظر نقدي اشتراكي فعلي وأخلاقي.