التوترات المدنية: بين الدعوة والشيوعية


جعفر حيدر
2026 / 2 / 10 - 23:11     

بقلم / جعفر حيدر
إنّ التوترات المدنية بين حزب الدعوة الإسلامية والتيارات اليسارية في العراق تمثل حالة صراع اجتماعي–سياسي متجذرة في البنية التاريخية للعراق الحديث، وهي ليست مجرد خلاف سياسي عابر بل صدام طويل بين رؤيتين مختلفتين جذرياً لطبيعة الدولة والمجتمع والسلطة، ففي الوقت الذي نشأ فيه اليسار العراقي على قاعدة الطبقية والتحليل الماركسي والسعي نحو العدالة الاجتماعية وعلمنة الدولة، تأسس حزب الدعوة على فكرة بناء مجتمع إسلامي سياسي قائم على الهوية الدينية والمرجعية الفكرية الفقهية، ومنذ الخمسينات وحتى اللحظة الحالية تراكمت بين الطرفين مسارات من الاحتكاك والريبة، حيث يرى اليساريون أن الدعوة – منذ نشأته – حاول تشكيل نظام اجتماعي يستمد شرعيته من الدين مما يتناقض مع مشروع اليسار الهادف إلى فصل الدين عن السلطة، فيما يرى حزب الدعوة أن اليسار يمثل نموذجاً فكرياً مستورداً يهدد الهوية الدينية–القيمية للمجتمع العراقي، ولذلك بدأت التوترات مبكراً حين شعر الشيوعيون أن الإسلام السياسي – بمختلف أنواعه – هو منافس حاد على الشارع الشعبي، خصوصاً في المناطق الحضرية والعمالية التي كانت تميل للماركسية، وفي المقابل شعر حزب الدعوة أنّ الشيوعيين يسيطرون على الوعي الطلابي والثقافي ويشكّلون تهديداً لعقيدة المجتمع، ثم تصاعدت هذه التوترات خلال الستينات والسبعينات حين حاول كل طرف استقطاب الفئات المثقفة والطبقات الدنيا، ففي الجامعات حدثت مواجهات فكرية حادّة بين "الرابطة الإسلامية" و"الأنشطة الطلابية اليسارية"، بينما في الشارع كانت النقابات ساحة صراع بين مشروعين اجتماعيين مختلفين: مشروع يرى التغيير عبر الصراع الطبقي، ومشروع يراه عبر العودة للدين السياسي، ومع وصول حزب الدعوة إلى مرحلة العمل السري في السبعينات ضد السلطة البعثية، وحملة القمع المزدوجة التي طالت الشيوعيين والإسلاميين، ظهر نوع من الهدوء القسري غير القائم على تقارب بل على مواجهة مشتركة للديكتاتورية، لكنّ هذا الهدوء كان هشاً وسرعان ما تفجّر بعد 2003 حين عاد الطرفان إلى العلن ببرامج متناقضة، إذ استلم حزب الدعوة – عبر الائتلاف الشيعي – مقاليد الحكم، بينما دخل اليسار مرحلة إعادة التشكيل في مواجهة نظام سياسي طائفي، ومع تشكل الدولة الجديدة وجد اليساريون أنفسهم في موقع نقد مباشر لحزب الدعوة الذي بات جزءاً من السلطة، فاتهموه بتكريس المحاصصة، وتسييس الدين، وغياب العدالة الاجتماعية، وفشل الدولة في إدارة الاقتصاد والخدمات، بينما اعتبر حزب الدعوة أن الخطاب اليساري خطاب غير واقعي، وأن نقده نابع من موقع المعارضة لا من فهم المسؤولية، وهكذا تحولت العلاقة بين الطرفين من صراع فكري إلى صراع مدني–سياسي واضح، خصوصاً في ساحات الاحتجاج التي مثّلت بيئة حقيقية لاحتكاك المشروعين، ففي احتجاجات 2011 و2015 ثم ذروة 2019 (تشرين)، كان اليساريون جزءاً من التيار المدني الرافض للسلطة، بينما كان الدعوة جزءاً من البنية الحكومية المتهمة بالفساد واللامساواة، ورغم أن بعض شخصيات الدعوة حاولت إظهار خطاب إصلاحي، إلا أن منظومة السلطة المرتبطة بالحزب جعلت التوترات تتصاعد، وظهر الانقسام بوضوح بين مدنية تطالب بدولة علمانية–قانونية وبين هوية دينية سياسية ترى نفسها مسؤولة عن حماية "خصوصية المجتمع"، وازدادت الفجوة حين دعا التيار المدني إلى إنهاء النفوذ الحزبي الديني في مؤسسات الدولة بينما اعتبر حزب الدعوة أن ذلك تفريغ للهوية، ثم جاء العامل الطبقي ليزيد التوتر، فالشيوعيون والتيارات اليسارية يرون أن سياسات حزب الدعوة الاقتصادية – القائمة على التوظيف الحزبي والمحاصصة – عززت الفقر والبطالة وأضعفت الطبقات العاملة، بينما يرى الدعوة أن اليسار يقدم حلولاً نظرية غير قابلة للتطبيق في بيئة عراقية ممزقة أمنياً وطائفياً، ثم يظهر البعد الثقافي أيضاً كأحد أكبر مصادر التوتر، إذ يميل اليساريون إلى خطاب مدني، حقوقي، نسوي، نقدي، بينما يميل حزب الدعوة إلى خطاب محافظ يركز على الهوية الدينية والقيم الاجتماعية، ما يجعل التماس بين الجمهورين مليئاً بالاستفزاز المتبادل، ومع دخول العراق مرحلة جديدة بعد تراجع ثقل الدعوة في الحكم وصعود حركات احتجاجية واسعة، تحوّل الصراع إلى شكل جديد: اليساريون يدفعون نحو دولة بلا أحزاب دينية، بينما يحاول حزب الدعوة إعادة تعريف نفسه كحزب دولة يحافظ على النظام، لكنّ التوترات المدنية لم تنتهِ، بل بقيت قائمة لأنها جزء من صراع أعمق بين مشروعين تاريخيين: مشروع يرى خلاص العراق في العدالة الاجتماعية والعلمانية، ومشروع يرى خلاصه في الدين والهوية والمحافظة، وبين هذين المشروعين تستمر التوترات كعلامة على صراع المجتمع العراقي كله لا بين حزبين فقط، بل بين رؤيتين للدولة والحياة والمستقبل.