قراءة نقدية للحرية السلبية في الليبرالية الاقتصادية


عائد ماجد
2026 / 2 / 10 - 17:37     

الحرية من مفهوم ليبرالي تعني غياب القيود، فأنا حر عندما أفعل ما أريد دون أن يتدخل أحد بما أفعل أو بما أريد أن أفعل، وهذا هو مفهوم الحرية عند الليبراليين، والذي يدخل حتى داخل التحليل الاقتصادي، والتي تبدأ من كون الاختيارات الفردية هي المنطلق لهذه الحرية. وعند إطلاق هذا المفهوم على الاقتصاد، فيمكننا تقييم النظم الاقتصادية بقدر ما يمكن لهذه النظم أن تحفظ وتلبي لنا هذه الاختيارات الشخصية.

ولنقف مع هذا المفهوم، يمكن لنا ملاحظة أن هذه الحرية لا تضع أساسا غير الاختيارات الشخصية دون أن تضع المحدد لهذه الاختيارات أصلا. ولنبسط الفكرة، فإن الاقتصاد الجيد يضمن لي أن أحصل على تفضيلاتي ورغباتي، أي أن جودة النظام تتناسب طرديا مع قدرته على توفير رغباته وتفضيلاته وتمكيني من الحصول عليها، بعيدا عما هو ضروريا وغير ضروري من حاجات، لأن هذا ليس من محور حديثنا.

وهذا يلزمنا أن نعتقد بأن كل ما نفضله ونختاره فهو ناتج عن إرادة حرة، ولا علاقة لأي عامل آخر بهذه الاختيارات. وإن لم يكن المفهوم يشمل هذا، فهذا يعني اجتزائه لمفهوم الحرية وجعلها محض اختيارات بشرية دون معرفة العوامل التي أدت إلى هذه الاختيارات، فهو لا يضع الأساسيات التي تشكل حاجة إنسانية إلى جانب التفضيلات.

فعلى فرض أن تجمعا بشريا ما يرى أن المنتج (أ) الذي يعالج المشكلة (ب)، علما أن هذه المشكلة ليست مشكلة بالنسبة لهذا المجتمع كما هي بالنسبة لصاحب المنتج، فليقُم صاحب المنتج بتمرير هذا المنتج لهؤلاء، يقوم بذلك عن طريق حملة من الدعاية التي ستقنع هذا التجمع بهذا المنتج. بذلك اختيارهم له لم يعد حرا إلا في هذا المفهوم، بدون النظر لأسباب هذا الاختيار.

هذا بالنسبة لليبرالية، هنا يعد فعلا عاديا لا يقلل من تقييم هذا النظام الاقتصادي، فيجب أن يكون التقييم لفعالية النظام الاقتصادي قائما على قدرة هذا النظام على توفير المنتجات الأساسية أو الحاجات التي تلبي فعلا حاجة إنسانية، لا ما يمكن تمريره بالدعاية وبالاستغلال النفعي والترويج.

وهذا ما يمكن أن نطلق عليه المفهوم السلبي للحرية الذي يؤمن به الليبراليون، حيث يجعل الأفراد يعملون لذواتهم فقط دون وضع قيم أخلاقية قادرة على منع الاستغلال. فكيف يمكن لي أن أكون حرا وبنفس الوقت مسيرا بعوامل يستعملها فرد آخر بدون أن يكون هناك ما يمنعه؟

حتى حصان العربة حرا وواقعا يحرك عضلاته بنفسه وبإيعاز عصبي من جهازه العصبي، وهو كذلك ما لم ننظر لمن يقود العربة. بذلك لا يمكننا تقييم الاقتصاد بهذا المفهوم، لأن الحاجات الترفيه التي يؤديها الاقتصاد يجب أن تكون خاضعة لعوامل أخرى، وهذا طبيعي ولا يختزل مفهوم الحرية.

لأن كل منا يتعامل مع العالم بما تم استلامه وحفظه من معلومات سابقا، فيجب أن يكون هناك عوامل خارجية ثقافية واجتماعية وغيرها تؤثر على تفضيلاتنا. وليس هذا ما تفعله الليبرالية في الاقتصاد، فهي لا تنظر إلى التفضيلات بهذا الشكل ولا إلى الحرية بهذا الشكل.

إنما أعنيه بالعوامل الخارجية التي تكون ثقافية واجتماعية تساعدنا في اختيار ما نريد، فهذه تعد اختيارات حرة غالبا. لكن داخل الاقتصاد الليبرالي العوامل مختلفة، فهي تنظر للحرية برفع القيود عن الإنسان، فيكون له حق التملك وحق المشاركة في السوق بدون أي قيود تفرض عليهم من أي جهة.

بذلك يكون الإنسان حرا على الورق، وهذا ما يمكن لنا ملاحظته فعلا. ولنفصل الموضوع أكثر، فإن حرية الإنسان مختلفة عن حريته داخل السوق. فإن ما أعنيه بالعوامل الثقافية والاجتماعية هي ما يؤثر عليه خارج السوق، وهي ما لا تنظر له الليبرالية.

وما تنظر له الليبرالية في الاقتصاد هو أن يكون الإنسان حرية الاختيار، وهو على الورق مقفولة فعلا داخل الليبرالية: التملك وحرية المشاركة في السوق بطريقة طبيعية دون أن يكون لأي جهة دور في إيقافك من هذا.

فأنت حر عندما تعمل لمدة 12 ساعة في اليوم، أنت حر، ومن تعمل لصالحه هو حر كذلك. لكن هل يمكن اعتبار هذه حرية فعلية؟ فهي تعطي حرية السوق وحرية التملك وتعطيك حرية فعل ما تريد.

كيف يمكن لي أن أدخل السوق وغيري يمتلك رأس المال وأنا أمتلك العمل والوقت فقط؟ كيف أكون حرا في ملكية وهي قادرة على سلب حرية الغير؟

يمكنني أن أكون عاملا، هذا اختيار، وبذلك تدعمني الليبرالية على اختياري دون أن تنظر لماذا اخترت أن أكون عاملا. يمكن لأي شخص أن يختار ما يريد على الورق، لكن بكون هذا الاختيار نفسه مقيدا بقيد ما، فهذا الاختيار أبعد ما يكون عن أن يكون حرا.

هذا ما يمكن اعتباره في الليبرالية هو الحرية السلبية التي هي تمنع القيود قانونيا. يمكن تعريفها بأنها إمكانية الإنسان لفعل ما يريد بدون قيود داخل السوق، لكنها لا تكفل لك مساواة مع غيرك أو تساوي في الفرص، لا تضمن لك العدالة، بل تضمن لك حرية الاختيار.

يمكن أن تختار العمل الطويل وبأجور قليلة لأن الاختيار الآخر هو الجوع. يعني أبدا أن كل عقد أو تبادل في السوق يكون حرا، هذا لا يعني بالضرورة أنه عادل، وهذا ما تكتفي به الليبرالية.

إن الحرية الإيجابية التي يمكن أن ننظر لها فعلا هي القدرة الواقعية على أن أفعل. ما الفائدة من أن تعطيني حرية في دخول السوق وتتيح للآخرين قدرة استغلالي؟

يمكن أن نلاحظه في واقعنا الطبقي، فالعامل يقبل العقود المجحفة، والطالب يقبل التخصصات التي لا يريدها، لا فقط لأنها مطلوبة في السوق، والمريض يختار العلاج الرديء لأنه أرخص ثمنا. كلها اختيارات أنا حر في اختيارها.

وهذا ما تعمل الليبرالية على فعله، أنها تقنعني بأنني حر. في الواقع لست حرا لأنني لست من يخلق هذه التفضيلات. النظام التنافسي في العمل وحرية السوق ووجود أصحاب رؤوس الأموال هو ما يخلق القلق من أن أبقى عاطلا، فسأكون متلهفا للحصول على العمل مهما كان كي لا أظل جائعا.

كذلك يمكن لك النظر للطالب، يمكن لي اختيار التخصص، لكن من يخلق التخصصات؟ النظام التنافسي الليبرالي. وهذه الحرية السلبية هي من تخلق أفضلية التخصصات في السوق، بذلك تحول كل شيء لهذه القيمة.

فاختيار تخصصي هو حر ظاهريا، لكنه ليس حرا في الواقع لأنني اخترته لكي أتماشى مع السوق لا أكثر. وكذلك وأنا مريض، السوق هو من يخلق التفضيل هذا، فيكون اختياري الرديء بالسعر الرخيص اختيارا مفروضا من السوق، لا اختيارا حرا في واقع الأمر.

إذاً، بأي أساس يكون مقياس تقييم الاقتصاد حرية الاختيار داخل الحرية السلبية؟ لماذا يكون الاقتصاد الجيد هو الذي يعطيني حرية الاختيار؟ لكن ما الفائدة من الاختيار ما دام مفروضا؟

حرية لا تمتلك شروطا مادية تتيح لي حرية اختياراتي ليست حرية، وهذا ما يمكن لجميعنا ملاحظته.