مجزرة الحكيم باليسار الشيوعي
جعفر حيدر
2026 / 2 / 9 - 09:10
بقلم / جعفر حيدر
إن ما يُعرف تاريخيًا بمجزرة الحكيم باليسار الشيوعي يمثل إحدى اللحظات الأكثر حساسية وتعقيدًا في تاريخ العراق السياسي والاجتماعي، إذ تداخلت فيها الفتوى الدينية مع التنافس الأيديولوجي والصراع على النفوذ بين مراكز القوة داخل الدولة والمجتمع، لتنتج موجة عنف واسعة ضد اليسار الشيوعي الذي كان في تلك الفترة القوة الأكثر انتشارًا بين العمال والفلاحين والشرائح المتعلمة، خصوصًا في جنوب العراق والفرات الأوسط، حيث كان الحزب الشيوعي قد تحوّل إلى ظاهرة اجتماعية قبل أن يكون مجرد تنظيم سياسي، ما أثار خوف المرجعية الدينية بزعامة السيد محسن الحكيم الذي رأى في امتداد الفكر الماركسي خطرًا على القيم المحافظة التي يقوم عليها المجتمع الشيعي التقليدي، فصدر عنه ما عُرف بفتوى تحريم الشيوعية التي شكّلت الشرارة الأولى لسلسلة طويلة من الاعتداءات التي تحوّلت فيما بعد إلى مجازر محلية متعددة نفّذتها جماعات عشائرية ودينية استندت إلى الفتوى باعتبارها غطاءً شرعيًا للقتل والملاحقة والتصفية، في وقت كانت فيه الدولة العراقية ضعيفة ومترددة وغير قادرة على ضبط المشهد أو منع الانزلاق نحو العنف، وقد بدأت المجازر فعليًا عندما بدأت مجموعات واسعة من العشائر، خصوصًا في العمارة والناصرية والديوانية والكوت، تستجيب لخطاب التحريض الذي صوّر الشيوعيين كملحدين وأعداء للدين، فشهدت تلك المناطق عمليات قتل لمنتسبين معروفين للحزب، وجرّ شباب من بيوتهم ثم تصفيتهم، وحرق منازل نشطاء محليين، وتهجير أسر شيوعية بالكامل، كما شهدت القرى الزراعية سلسلة اعتداءات مسلحة قادتها عشائر نفذت الفتوى بحماسة اجتماعية وعقائدية، خصوصًا بعد أن أصبحت الخطب المنبرية تحمّل الشيوعيين مسؤولية إفساد المجتمع ومحاربة الدين، لتتحول هذه الدعاية إلى مناخ عام يسمح لأعمال القتل أن تمر دون تحقيقات أو محاسبة، بل أحيانًا بغطاء من موظفين محليين في أجهزة الدولة الذين كانوا يخشون الاصطدام بالمرجعية أو العشائر، وظهرت حوادث صادمة مثل قتل شيوعيي العمارة في الطرق العامة، وطعن نشطاء الحزب في الناصرية، وسحل بعضهم في الكوت، وحرق أكواخ فلاحين كانوا ينشطون في تنظيم الجمعيات الفلاحية المرتبطة بالحزب الشيوعي، بحيث أصبحت المجازر موزّعة على شكل موجات متعاقبة استمرت لسنوات، وليست حادثة واحدة محددة المكان والزمان، لكن خطورة المسألة لا تتوقف عند هذه الأعمال الدموية، بل في الدور السياسي الذي لعبته فتوى محسن الحكيم في ترجيح كفّة المعاداة العلنية للشيوعيين، إذ شكّلت الفتوى قوة دفع للقوميين والبعثيين الذين وجدوا في الجوّ المعادي لليسار فرصة لقمع خصومهم الأيديولوجيين، وهو ما جعل المجازر الدينية–العشائرية تمهّد نفسيًا واجتماعيًا للضربة الأكبر التي ستأتي لاحقًا مع انقلاب 1963، حين جرى ذبح مئات الشيوعيين في السجون والشوارع على يد البعثيين والحرس القومي، وبذلك فإن مجزرة الحكيم باليسار الشيوعي كانت جزءًا من مسار أوسع جعل الشيوعي العراقي محاصرًا بفتوى دينية من جهة وبآلة قمع سياسية من جهة أخرى، أما علاقة محسن الحكيم بصدام حسين فتُعد واحدة من أكثر الجوانب حساسية في هذا الملف؛ إذ إن صدام، حين كان شابًا في حزب البعث، أدرك مبكرًا أهمية العلاقة مع المرجعية الشيعية لضمان نفوذ الحزب في الوسط الشيعي الذي كان يرى البعثيين كتيار قومي سني الطابع، ولذلك عمل صدام على بناء قنوات اتصال غير مباشرة مع بعض الشخصيات الدينية، وكان أبرزها العلاقة الرمزية مع السيد محسن الحكيم، ليس علاقة تحالف أو مودة، بل علاقة مصلحة سياسية، فقد استغل صدام الخطاب الديني العدائي تجاه الشيوعية ليقوّي حملته على اليسار، بينما وجد بعض المقربين من الحكيم في البعثيين قوة قادرة على كبح المدّ الشيوعي الذي كانوا يعتبرونه تهديدًا أكبر من صعود القوميين، وفي مراحل لاحقة، خصوصًا في أوائل الستينيات، استفاد البعثيون، ومنهم صدام، من الجو الذي خلقته الفتاوى المعادية للشيوعية، لأن المجتمع أصبح مهيّأ لقبول القمع السياسي للشيوعيين باعتباره امتدادًا طبيعيًا لحماية الدين، ولهذا فإن العلاقة بين الحكيم وصدام لم تكن علاقة شخصية بقدر ما كانت علاقة تأثير غير مباشر: المرجعية وفّرت شرعية اجتماعية لمعادات الشيوعية، وصدام وفّر التطبيق السياسي القمعي لهذه المعاداة، حتى وإن كان ذلك لاحقًا بدوافع سلطوية لا علاقة لها بالدين، وبهذا تبدو مجزرة الحكيم باليسار الشيوعي حدثًا مركّبًا ناتجًا عن تفاعل فتوى دينية وسياق اجتماعي متوتر ودولة ضعيفة وصراع سياسي حاد وتحالفات تكتيكية غير معلنة بين قوى دينية وقومية، مما خلق واحدة من أبشع الفصول ضد تيار سياسي في تاريخ العراق الحديث، مجازر لم تُكتب كحادثة واحدة بل كسلسلة تتمدد في القرى والحقول والمدن، صُنعت فيها ذاكرة الخوف التي لاحقت اليسار العراقي لعقود طويلة.