الدولة كطبقة: في نقد الماهية والهيمنة وإمكان التماهي...4
ليث الجادر
2026 / 2 / 9 - 02:54
الفصل الرابع
تفكك الدولة وأزمة الصراع الطبقي في الرأسمالية المتأخرة
لم تعد المسألة اليوم مقتصرة على توصيف الدولة بوصفها بنية فوقية مستقلة نسبيًا أو طبقة فوق الطبقات؛ فهذه الخلاصة، على أهميتها، لا تكفي لفهم التحول الأعمق الجاري في قلب الرأسمالية المعاصرة. ما نواجهه هو لحظة تاريخية تتآكل فيها الدولة ذاتها، لا بوصفها أداة، بل بوصفها شرطًا للصراع الطبقي المنظّم. هنا لا نتحدث عن “ضعف الدولة” بمعناه الإداري أو السياسي، بل عن تفكك وظيفتها التاريخية كوسيط قسري جامع، وكإطار يمكن داخله للصراع الاجتماعي أن يتخذ شكلًا قابلًا للتراكم.
1. حين يتفكك الشرط، لا يتحرر المجتمع
التصور الساذج الذي يربط بين تراجع الدولة وتحرر المجتمع لا يصمد أمام الوقائع. فحيثما تتآكل الدولة، لا ينفتح أفق الحرية، بل تنفتح فجوة السلطة. هذه الفجوة لا تُملأ تلقائيًا بقوى المجتمع، بل تُملأ بأشكال أكثر مباشرة، وأكثر عنفًا، وأكثر تفلتًا من أي مساءلة: شبكات رأس المال، الميليشيات، الشركات الأمنية، العصبيات، والسوق بوصفه سلطة عارية.
الدولة، حتى في صورتها الطبقية، كانت تمثل حدًا أدنى من التنظيم القسري للصراع. ومع تآكل هذا التنظيم، لا يتحول الصراع إلى ثورة، بل إلى تفكك اجتماعي يُعطِّل إمكان أي فعل جماعي مستدام.
2. الرأسمالية لا تحتاج الدولة دائمًا… لكنها تحتاج تفككها
في مراكز رأس المال، بدأت الدولة تتخلى تدريجيًا عن وظائفها الاجتماعية والتنظيمية، دون أن تتخلى عن أدوات الضبط. تتحول الدولة هنا من جهاز إدارة عامة إلى واجهة قانونية لسلطة السوق، بينما تنتقل الوظائف الفعلية للهيمنة إلى آليات لا-دولتية:
التمويل المعولم، الشركات العابرة للحدود، أنظمة الدَّين، وسلاسل التوريد.
هذا التحول لا يُضعف الرأسمالية، بل يحررها من القيود التي فرضتها الدولة القومية في مراحل سابقة. الدولة لا تختفي، لكنها تُفرَّغ من مضمونها الاجتماعي، وتُختزل إلى جهاز أمني–قانوني لحماية حركة رأس المال.
3. تصدير اللادولة إلى الأطراف
في الأطراف، لا يجري تفكيك الدولة تدريجيًا، بل يجري تحطيمها أو إفراغها دفعة واحدة. تُدفع مجتمعات الأطراف إلى حالة “اللادولة” تحت شعارات الإصلاح، الخصخصة، أو حتى الديمقراطية الشكلية. النتيجة واحدة:
دولة عاجزة عن التنظيم، عاجزة عن الضبط، لكنها حاضرة بما يكفي للقمع.
هنا يصبح غياب الدولة شرطًا لتكثيف الاستغلال، لا لتقليصه. ويتحول المجتمع إلى ساحة مفتوحة لتنازع قوى غير خاضعة لأي منطق عام، بينما يُعاد توجيه الغضب الاجتماعي نحو صراعات داخلية بدل أن يتكثف في صراع طبقي منظم.
4. لماذا يتعطل الصراع الطبقي المعاصر؟
ليس فشل الاحتجاجات المعاصرة ناتجًا عن ضعف الوعي فقط، بل عن غياب البنية التي تسمح بتحويل الاعتراض إلى قوة تاريخية. تفكك الدولة يعني تفكك الإطار الذي يمكن داخله للصراع أن ينتقل من لحظة انفجار إلى مسار تراكم.
حين لا تعود هناك دولة بوصفها خصمًا بنيويًا واضحًا، يتحول العدو إلى طيف:
سوق، فساد، نخبة، نظام، منظومة…
تتعدد الأسماء، لكن يغيب الموقع الذي يمكن الاشتباك معه فعليًا.
5. الدولة كشرط للصراع لا كنتيجة له
هنا تنقلب المعادلة التقليدية:
لم تعد الدولة مجرد نتاج للصراع الطبقي، بل أصبحت شرطًا لوجوده المنظم. من دون دولة، لا يعني الأمر غياب القمع، بل غياب إمكانية مقاومته جماعيًا. ومن دون إطار دولتي، لا يمكن للصراع أن يتحول إلى مشروع تاريخي، بل يبقى في حدود الانفجار الدوري.
من هذا المنظور، يصبح الدفاع عن إعادة بناء الدولة – لا بوصفها جهازًا فوقيًا متعاليًا، بل كحقل صراع قابل للاختراق – جزءًا لا يتجزأ من النضال الطبقي نفسه.
6. أفق الصراع في زمن ما بعد الدولة
إن أخطر ما تواجهه الحركات الطبقية اليوم ليس قمع الدولة، بل تفككها. ففي غياب الدولة، تفقد الطبقات قدرتها على تنظيم ذاتها، وتفقد السياسة معناها، ويتحول المجتمع إلى مادة خام لإدارة رأس المال.
وعليه، فإن المهمة التاريخية المطروحة لا تتمثل في “إسقاط الدولة” ولا في التكيف مع تفككها، بل في إعادة انتزاعها من منطق اللادولة الرأسمالية، وإعادة ربطها – بالقسر والصراع – بمصالح الأغلبية الأجيرة.