ستيفان ميلر يقول إنّ المهاجرين يأتون من – و يجب أن يعودوا إلى –- الأوطان المدمّرة -... لكن المسألة الحقيقيّة هي : من كسر تلك - الأوطان- ؟ و ماذا يخبرنا ذلك بشأن الفاشيّين الذين يحكمون هذا الوطن الآن ؟
شادي الشماوي
2026 / 2 / 8 - 21:55
جريدة " الثورة " عدد 942 ، 2 فيفري 2026
مقال محيّن في 7 ديسمبر 2025
www.revcom.us
في 26 نوفمبر 2025 ، جنديّان من الحرس الوطني في واشنطن دي سي تمّ إطلاق النار عليهما من قرب . توفّيت سارة بكستروم ، امرأة عمرها 20 سنة ، و أندرو ، رجل عمره 24 سنة ، لا يزال في المستشفى و يشكو من جروح في منتهى الخطورة . و رحمان الله لكنوال ، رجل أفغاني عمره 29 سنة ، قاتل على جانب الولايات المتّحدة في حرب أفغانستان وُجّهت إليه تهمة القتل و ثلاث جرائم أخرى . و قد دافع عن نفسه مؤكّدا أنّه غير مذنب (1). و تمّ إطلاق النار على لكنوال على المنبر وهو لا يزال في المستشفى .
إطلاق الرصاص على عضوين من الحرس الوطني كان عملا مقيتا . و مثلما قالت منظّمة " لنفرض الفاشيّة " في بيانها ، " مثل هذه الأحداث لا صلة لها و لا تفعل سوى إلحاق الضرر بالنضال الجماهيري فغير العنيف للملايين الذ1ى نحتاجه لترحيل نظام ترامب الفاشيّ من السلطة " . لكن ترامب و عقبان ماغا / MAGA [ جعل أمريكا عظيمة من جديد ] آخرين أسرعوا في القفز على هذا الوضع التراجيدي لمزيد بثّ الكره ضد المسلمين و المشاعر العامة المعادية للمهاجرين ، و لفرض حتّى المزيد من القيود على الهجرة من " العالم الثالث " .
و بالرغم من أنّ الشرطة تقول حتّى إنّها لا تعلم ما هو دافع إطلاق النار ، فإنّ ترامب صرّح إنّه " إرهابيّ " . كرستي نوام ( رئيس قسم الأمن القومي ) زعمت ( دون أدلّة ) بأنّ لكنوال صار " راديكاليّا " بسبب أناس في الوسط الأفغاني في ولاية واشنطن . و قالت إنّ ذلك الوسط برمّته يحتاج إلى " التحقيق " حوله . و نشر السيناتور الجمهوريّ تومي توبرفيل تغريدة " يجب علينا فورا أن نصدؤ منعا لكافة المهاجرين المسلمين و أن نرحّل كلّ مسلم يعيش بيننا و لا يفعل سوى الإنتظار لينفّذ هجوما ". و دعا ترامب إلى " إعادة تفحّص " لكافة الأفغانيّين الذين تمتّعوا في السابق باللجوء السياسي أو مكانة قانونيّة أخرى .
و أيضا دعا ترامب إلى ترحيل جميع المهاجرين الصوماليّين ، ناعتا إيّاهم ب " القمامة " و معربا عن أنّه يتعيّن عليهم " العودة من حيث جاؤوا " و أنّ " بلدهم ليس جيّدا لسبب ما ". و أصدر أمرا لقائد عمليّات وكالة الهجرة و الجمارك - ICE – بإستهداف الصوماليّين في منطقة مينيسوتا * سان بول أين يعيش أكثر من 80 ألف شخص من أصل صومالي .
و في ذات السياق الذهني الكاره للمهاجرين بدم بارد ، مستشار ترامب الأكبر ، ستيفان ميلر ، نشر التالي ( ردّا على نقد ترامب لتوبيخه لبلدان برمّتها لعمل [ مزعوم ] لشخص واحد :
" هذه كذبة كبيرة عن الهجرة الجماعيّة . لسنا بصدد إستيراد أفراد فحسب . إنّنا نستورد مجتمعات . و لا تحدث تغييرات سحريّة عندما فشلت الولايات في عبور الحدود . و على نطاق واسع ، يعيد المهاجرون و المنحدرين منهم إيجاد الظروف الظروف و الفظائع الموجودة في أوطانهم المكسورة " .
كيف " دمّرت " أمريكا أفغانستان :
كما عبّر عن ذلك روائيّ باكستاني عند سماع ذلك ، " من كسر الوطن !!؟ "
هذه بالضبط المسألة ! الإجابة على ذلك تبدأ من واقع أنّ أفغانستان " ملعونة " بسبب موقعها الإستراتيجي كجسر بين وسط آسيا و شرقها من جهة ، و الشرق الأوسط من الجهة الأخرى . لذا قاتلت القوى الإمبرياليّة بصفة متكرّرة للتحكّم فيها .و قد غزتها بريطانيا مرّات ثلاث في القرن التاسع عشر . و في 1979 ، غزاها الإتّحاد السوفياتي السابق ، الذى كان بلدا إمبرياليّا – إشتراكيّا ( و قوّته المهيمنة الآن هي روسيا ) ، ليركّز حكا صديقا له . و ردّا على ذلك ، ساعدت الولايات المتّحدة في تنظيم و تسليح و تمويل الجيوش الأصوليّة الإسلاميّة للإطاحة بالحكومة الموالية للسوفيات . و قد قُتل ما لا يقلّ عن نصف مليون مدنيّ أفغاني ، و عرفت القوى الفاشيّة الأصوليّة التيوقراطيّة الأفغانيّة دفعا هائلا . و كان هذا جزءا من مساعي إمبرياليّة الولايات المتّحدة للتحكّم في المنطقة بأكملها ، منطقة وسط آسيا و الشرق الأوسط . أجل ، كافة هذه البلدان لها كافة مشاكل المجتمعات الطبقيّة الإضطهاديّة بداية – لكن مع النصف الثاني من القرن العشرين ، كانت إمبرياليّة الولايات المتّحدة القوّة التي تحدّد في الأساس إطار من يحكم و من لا يحكم ، و ما جرى و ما لم يجر في تلك البلدان .
و كردّة فعل على هذا و على تطوّرات أخرى ، الحركات القوميّة السياسيّة المتجذّرة في الإسلام ظهرت في المنطقة و قد لخّص بوب أفاكيان هذا سنة 2007 على نحو يشرح الكثير من الديناميكيّة العالميّة للثلاثين سنة المنصرمة :
" ما نراه فى نزاع هنا هو الجهاد من جهة و ماك العالمية / ماك الحرب من جهة أخرى و هو نزاع بين شريحة ولّي عهدها تاريخيا ضمن الإنسانية المستعمَرة و المضطهَدة ضد الشريحة الحاكمة التى ولي عهدها تاريخيا ضمن النظام الإمبريالي . و هذان القطبان الرجعيان يعزّزان بعضهما البعض ، حتى و هما يتعارضان . و إذا وقفت إلى جانب أي منهما ، فإنك ستنتهى إلى تعزيزهما معا .
و فى حين أنّ هذه صيغة مهمّة جدّا و حيويّة فى فهم الكثير من الديناميكية التى تحرّك الأشياء فى العالم فى هذه المرحلة ، فى نفس الوقت ، يجب أن نكون واضحين حوا أي من " هذين النموذجين الذين عفا عليهما الزمن " قد ألحق أكبر الضرر و يمثّل أكبر تهديد للإنسانيّة : إنّه الطبقة الحاكمة للنظام الإمبريالي التى عفا عليه الزمن تاريخيّا ، و بوجه خاص إمبرياليّو الولايات المتحدة . "
حرب الولايات المتّحدة ضد طالبان :
مجموعة من هؤلاء التيوقراطيّين ن طالبان ، صعدت إلى السلطة سنة 1996 إثر فترة من الحرب الأهليّة . و فرضت منتهى الإضطهاد على النساء و كذلك على الأقلّيات الدينيّة و آخرين . و سنة 2001 ، تحرّك أسامة بن لادن من قاعدة في أفغانستان ليهندس الهجوم على مركز التجارة العالمي في نيويورك . و عرضت طالبان التفاوض لتسليم بن لادن إلى الولايات المتّحدة إلاّ أنّ الولايات المتّحدة بدلا من ذلك إستغلّت الفرصة لغزو أفغانستان و إحتلالها و الإطاحة بطالبان . و جمّعت معا حكومة عميلة فاسدة و مكروهة على نطاق واسع تركّزها عوضا عن طالبان . و إنفجرت الحرب بين الولايات المتّحدة و حكومتها العميلة من جهة و طالبان من الجهة الأخرى ، ما خلّف مقتل ما يقدّر ب 241000 مدنيّ و مدنيّة جرّاء العنف ، و مئات الآلاف الآخرين جرّاء المجاعة و الأمراض الناجمة عن الحرب .
أربعون سنة من الحرب ، وُلدت أجيال ، عاشت محاطة بالموت و الدمار و المضطهِدين الوحشيّين و الجيوش الأجنبيّة . و تمّ تدمير الفلاحة و بات الاقتصاد مرتهنا بنفقات الحرب و تمويلات أخرى ، و تقريبا كلّ هذا إمّا كان يأتي من أو هو تحت سيطرة إمبرياليّة الولايات المتّحدة .
ما المعنى الحقيقي للعمل من أجل المحتلّين الأمريكان :
أثناء إحتلال الولايات المتّحدة عمل عدّة آلاف الناس من أجل الولايات المتّحدة ، و الحكومة الموالية للولايات المتّحدة ، أو المنظّمات غير الحكوميّة أو الأعمال التجاريّة المرتبطة بالولايات المتّحدة . كان بعضهم من المجرمين و عناصر عصابات الخاضعة لهذا أو ذاك من أمراء الحرب الذين تحالفت معهم الولايات المتّحدة ، لكن البعض إشتغل في هذه الأعمال تجنّبا للجوع ، أو لإعتقاد مخادع بأنّ الولايات المتّحدة كانت عمليّا هناك لتساعدهم في التحرّر من إضطهاد طالبان . لكن القيام بذلك وضعهم أيضا في خلافات مع أسرهم أو جيرانهم الذين عارضوا احتلال الولايات المتّحدة حتّى مع كرههم كذلك لطالبان. و كان ذلك يعرّضهم لمخاطر قتلهم علي يد طالبان .
كان رحمان الله لاكنوال واحدا منهم ، و حسب التقارير إنتُدب في الوحدة 03 التي تقودها السي أي أي من القوّة الضاربة بقندهار سنة 2012 عندما كان عمره لا يتجاوز ال16 سنة . وهذه القوّات الضاربة ( المعروفة أيضا ب" وحدات الصفر") كانت بالفعل فيالق موت تقترف جرائم حرب ضد الشعب الأفغاني . و في سنة 2019 ، جاء في تقرير لمنظّمة هيومن رايت ووتش ( HRW ) توثيق ل 14 حادثا قامت خلالها هذه الوحدات بهجمات ليليّة ، مفجّرة منازلا بينما كان سكّانها نيام، و قاتلة مدنيّين بما في ذلك أطفال صغار و شيوخ ، و غيرها من الجرائم . (2)
عندما كانت الولايات المتّحدة تنتدب أفغانيّين للعمل معها ، كانت تعدهم على الدوام " سنحميكم ، سنحمي ظهوركم ". لكن تاليا عندما إنسحبت الولايات المتّحدة لم تعر إنتباها جدّيا لأمن عشرات الآلاف من الناس الذين عملوا لأجلها ، سواء كمدرّسين ، جنود أم كقادة سياسيّين . كان أناس يائسون يصارعون لمغادرة البلاد مع إعادة مسك طالبان بمقاليد الحكم . و قد فرّ بضعة آلاف ، و تاليا ( مثل لاكنوال ) مرّوا بتدقيق شديد ليبيّنوا ، المرّة تلو المرّة ، أنّهم كانوا " موالين " بما فيه الكفاية ليدخلوا إلى الولايات المتّحدة ، بينما سعت حكومة الولايات المتّحدة لغسل أيديها منهم بأسرع وقت ممكن . (3)
لا نعرف الكثير عن لاكنوال لكنّ ورد في تقرير لأصدقاء و للأسرة و العمّال الإجتماعيّين شيئا مفاده أنّه يبدو أنّه يشهد إنهيارا عصبيّا إذ كان يمضي أسابيعا في غرفة مظلمة و لا يتحدّث إلى أيّ كان ، و يغادر المنزل لأسابيع مستخدما سيّارة الأسرة . و جاء في تقارير أنّ هذا متّصل بتجربته في الوحدة صفر .
لذا عندما نبلغ مسألة " من دمّر الوطن " ؟ من الجليّ أنّه النظام الإمبريالي ، بالحركة المبنيّة في جذوره للقوي الإمبرياليّة مثل الولايات المتّحدة و منافسيها لتقسيم و إعادة تقسيم العالم . ثمّ ، تنزلق الأمور و تخرج عن سيطرتهم ، لا يخجلون من إعادة الضحايا إلى جلاّديهم و خيانتهم ، و وضع إنسانيّتهم موضع سؤال و المطالبة من إبعادهم عن المجتمع أو دفعهم إلى الظلّ ؟ و أفغانستان ليست الوحيدة في هذا . بوسعكم النظر إلى سلسلة مقالات جرائم أمريكا American crime للعثور على قصص مشابهة عبر العالم قاطبة ، بما في ذلك بأكثر من 19 بلدا غير أوروبي منع ترامب الآن كلّ هجرة منه إلى الولايات المتّحدة .
في مواجهة أزمة هائلة لهذا النظام ذاته ، الفئة الفاشيّة من هذه الطبقة الحاكمة الإمبرياليّة – ترامب ، ميلر ، فانس و كافة البقيّة – في مه/ّة لإنقاذ هذا النظام بواسطة شكل حكم فاشيّ . في نظرهم ، شكل حكم فاشيّ – شكل متجذّر في تفوّق البيض بارز و سافر و عنيف و في الهيمنة الذكوريّة على النساء و قمع المثليّين و المزدوجين و المتحوّلين جنسيّا ، و في كره سافر لمن يعتبرونهم " أجانبا " ؛ شكل مُشبّع بالجهل المعادي للعلم و الأصوليّة المسيحيّة التيوقراطيّة ؛ و فيه يتمّ محو في الأساس للسيرورة القانونيّة اللازمة و الحرّيات المدنيّة -هو الشيء الوحيد الذى يمكن أن يُنقذ الإمبراطوريّة .
إزاء هذا ، مرّة أخرى ، نقول نحن الشيوعيّين الثوريّين :
باسم الإنسانيّة ، نرفض القبول بأمريكا فاشيّة !
النظام برمّته فاسد و لا شرعي – نحتاج و نطالب بنمط حياة جديد تماما و نظام مغاير جوهريّا !
هذا التحليل الرائد المجري أثناء سنوات جورج بوش الإبن ، لا يزال مناسبا للغاية ، لا سيما في إطار التناقضات المحتدّة المكثّفة في الشرق الأوسط .
هوامش المقال :
1- نودّ التشديد على أنّ لاكنوال بريء إلى أن تثبت إدانته . و هذا ( " بريء إلى أن تثبت إدانته " ) مبدأ هام لعدّة أسباب ، لكن هو كذلك خاصة في هذا الوضع حيث إفتراضيّا كلّ الأخبار تأتي من الشرطة و الأف بي أي . إنّه لواقع معروف جيّدا أنّ مثل هذه الوكالات ستحوّر الحقائق ، و تفتري تمام الإفتراء أو حتّى تصطنع أدلّة ، لا سيما في حالات " بارزة " . في هذا المقال نتعمّق في كيف يحاول الفاشيّون إستخدام الحادث ، و هذا مختلف عن ما إذا كان الحدث جرى كما تقول السلطات.
2- متحدّثين عن هذه الهجمات الليليّة التي مثّلت جزءا محوريّا في العمليّات العسكريّة للولايات المتّحدة ، قال حارس بالجيش إلى صحفيّ ، " تمضي في هجمات ليليّة و يُصبح لديك عدد أكبر من الأعداء ، ثمّ يتعيّن عليك المضيّ في المزيد من الهجمات الليليّة ضد المزيد من الأعداء الذين عليك الآن قتلهم ".
3- هناك سخط له دلالته بشأن هذا لدي فئات من جيش الولايات المتّحدة و الجهاز الدبلوماسي تشعر أنّ لديها بعض المسؤوليّة تجاه الناس الذين دفعوا بهم إلى وضع خطير . و قد نظم الكثيرون مجموعات خاصة لإخراج الناس من البلاد. و بالنسبة إلى البعض ، فتحت تلك التجربة عيونهم و شرعوا في إستيعاب أنّ مزاعم الحكّام بأنّ حروبهم خيضت لمصلحة المضطهَدين، و بأنّها لم تكن سوى مجرّد دعاية لإستجلاب الناس .