تفكيك البناء الفوقي والتحتي: ثورة الوعي لإعادة إنتاج الدولة العراقية
أحمد فاضل المعموري
2026 / 2 / 7 - 20:07
بعد قرنٍ كامل من التخبط المؤسساتي، لا يزال صدى مقولة الملك فيصل الأول يتردد كأنه تشخيصٌ معاصر حين قال: "لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل تكتلات بشرية خالية من الفكرة الوطنية". إنَّ جوهر الأزمة العراقية ليس مأزقاً سياسياً عابراً، بل هو خلل بنيوي يكمن في ذلك "الحظ العاثر" الذي جمع تكتلات متنافرة لم تصهرها "نار" المواطنة الحقيقية، بل زادت من حدة انقسامها القبلية العصبية والقومية المفرطة والنزعة الاستعلائية في معالجة الأزمات. لذا، فإنَّ الحل لا يكمن في ترقيع النظام القائم ، بل في تفكيك شامل للبنائين الفوقي والتحتي لإعادة صياغة الدولة على أسس العدل، الذي هو الضمان الوحيد لبقائها واستمرارها، في ظل المتغيرات.
ثورة البناء الفوقي: المسار الدستوري والقانوني المدني
يتمثل البناء الفوقي للدولة في الدستور والقانون والمؤسسات، وهي منظومة يجب أن تتحرر فوراً من "اللاهوت السياسي" والمسلمات التي فُرضت كحقائق مطلقة، لتتحول إلى أداة تقنية بحتة لإدارة الحياة. إنَّ الخطوة الأولى تبدأ بـ "علمنة الوثيقة الدستورية"؛ فالدستور ليس كتاباً لاهوتياً، بل هو "عقد مصلحة" سياسي واقتصادي واجتماعي. يجب أن يخضع تنظيمه للقانون الوضعي حصراً لضمان حياد الدولة التام تجاه مواطنيها، وإنهاء تفضيل دين على آخر أو طائفة على أخرى. الجميع سواسية أمام قانون يحقق مصلحة الفرد والأسرة بوصفهما اللبنة الأساسية للشعب، وبذلك نحمي الإيمان نفسه من استغلال السياسة.
ويرتبط ذلك بضرورة إرساء "المواطنة الاقتصادية" كبديل للحقوق العاطفية المفرغة؛ حيث يجب إعادة تعريف المواطنة لتكون استحقاقاً مادياً وقانونياً بامتياز. إنَّ الحقوق المدنية والسياسية تظل ناقصة ما لم تكتمل بضمان تمتع كل عراقي بخيرات بلاده كاستحقاق ثابت وكرامة أصيلة، بعيداً عن منطق "المنح" والمكرمات التي تكرس التبعية للمراكز السياسية أو الدينية.
هيكلة البناء التحتي: المسار الاجتماعي والثقافي والفلسفي
إنَّ القاعدة التحتية للمجتمع العراقي مثقلة بأعراف وعلاقات قوة مشوهة وتفاوتات طبقية مغلفة بالدين، مما يستوجب شجاعة في تفكيك "المسكوت عنه". نحن نشهد اليوم ولادة "أرستقراطية دينية" ناشئة؛ فبينما يرزح أبناء العامة تحت وطأة تعليم حكومي أو أهلي متهالك، يتمتع أبناء النخبة الدينية بامتيازات تعليمية ومعيشية فائقة بفضل القرب من مراكز النفوذ. هذا الخلل البنيوي سيؤدي حتماً إلى موجة نقد راديكالية قد تصل إلى "إلحاد مجتمعي" نتيجة الفجوة الطبقية لا الفكر الديني نفسه، والحل يكمن في "توطين وتعريب" المؤسسة الدينية وإخضاعها لسلطة القانون عبر جامعة وطنية تنبذ التراث الهدام، وتجعل من الإيمان ركيزة أخلاقية لا سلطة سياسية أو طبقية.وفي ذات السياق، تبرز ضرورة "نخبوية التغيير الثقافي والفكري"؛ إذ لا يمكن ترك الثقافة نهباً للعواطف الجمعية أو المحركات الفردية العشوائية التي حُرمت من فرصة الوعي بمفهوم الدولة. يجب أن تُقاد الثقافة بإرادة "النخبة المثقفة الواعية" التي تضع الأسس العلمية والمدنية لبناء مجتمع حديث يحترم العقل والإنتاج، ويقدس القانون فوق كل اعتبار.
التفرّد بالهوية الرافدينية وتفكيك المركزية العروبية
إنَّ ربط نهضة العراق بالنهضة العربية الشاملة كان وهماً استراتيجياً جعل من العراق "بيئة قلقة" تذوب في تقلبات الجوار وصراعاته. إننا نؤمن بأن العراق كيان حضاري مكتمل الأركان، ولا يمكنه الاستقرار إلا بتبني "الوصفة العراقية الخالصة". إنَّ التمسك بالخصوصية الرافدينية (الهوية الرافدينية) هو السبيل الوحيد لخلق مجتمع متجانس يقدس الوطن قبل أي انتماء عابر للحدود، وهو ما سيؤدي حتماً إلى قلب المعادلة من كراهية الآخر إلى حب الداخل، ومن التشدد والنفور إلى التلاحم والانسجام المجتمعي .
الخاتمة: حصر السيادة وإنهاء التشرذم
إنَّ العدل هو أساس الدولة، وأي ظلم يلحق بالمواطن سينقلب حتماً على كيان الدولة ذاته، علينا أن نتجاوز الشعارات العاطفية المستهلكة مثل "لا سني ولا شيعي"، التي لا تفعل شيئاً سوى إعادة إنتاج الصراع في المخيلة، لنعتنق شعاراً واقعياً وعملياً: "لا عراقي بدون دولة تحمي وجوده وتصون كرامته".، إنَّ إعادة بناء العراق تتطلب شجاعة استثنائية لإلغاء الأعراف العشائرية والتقاليد التي تبتلع سلطة الدولة وتنازعها سيادتها. نحتاج إلى دولة لا تعترف إلا بالقانون، ومجتمع يتربى على قيم المواطنة الاقتصادية والعدالة المطلقة. عندها فقط، سيتحول العراق من مجرد "تكتلات بشرية متشعبة" إلى أمة قوية يصهرها الانتماء، يحميها الدستور، وتوحدها المصلحة الوطنية العليا فوق كل اعتبار.