الدولة كطبقة: في نقد الماهية والهيمنة وإمكان التماهي...3
ليث الجادر
2026 / 2 / 7 - 14:14
الفصل الثالث
الصراع داخل الدولة: التنظيم، الاختراق، وحدود التماهي
لا تُواجه الدولة الحديثة من خارجها إلا على نحو عابر، كما لا تُروَّض من داخلها إلا بثمن باهظ. فالدولة، بوصفها بنية فوقية مستقلة نسبيًا، لا تنهار بالاحتجاج ولا تتحول بالإصلاح وحده، بل تعيد امتصاص الصراع وإعادة توزيعه داخل أجهزتها، ما لم يُفرض عليها توازن قسري طويل النفس. من هنا لا ينشغل هذا الفصل بسؤال “كيف تُسقط الدولة؟” ولا بسؤال “كيف تُصلَح؟”، بل بسؤال أدق وأكثر خطورة: كيف يعمل الصراع الطبقي داخل الدولة دون أن يُبتلع بها؟
1. بين وهم الإصلاح ووهم التحطيم
يقع التفكير السياسي المعاصر في مأزق ثنائي:
إما التعويل على إصلاح الدولة بوصفها جهازًا محايدًا يمكن تصحيح انحرافه عبر القوانين والانتخابات،
أو الدعوة إلى تحطيم الدولة باعتبارها شرًّا مطلقًا لا يُسترد.
كلا الموقفين يفشل تحليليًا.
الأول يتجاهل الطابع الاستقلالي للدولة وقدرتها البنيوية على إعادة إنتاج ذاتها حتى أثناء الإصلاح.
والثاني يتجاهل واقع أن غياب الدولة لا يُنتج فراغًا تحرريًا، بل يفتح المجال لسلطات أكثر تجريدًا ووحشية، من رأس المال المباشر إلى العنف الأهلي.
الصراع الطبقي، تاريخيًا، لم ينتصر حين راهن على حسن نية الدولة، ولم ينجُ حين سعى إلى إلغائها دفعة واحدة، بل حين فرض نفسه داخل بنيتها بوصفه قوة موازِنة لا شريكًا مندمجًا.
2. مواقع الصراع: الدولة ليست كتلة واحدة
تفترض القراءة السطحية أن الدولة جهاز متجانس، لكن واقعها مركّب.
القانون، البيروقراطية، الجيش، المالية العامة، والأجهزة الأمنية لا تعمل بوظيفة واحدة ولا تخضع لمنطق واحد، وإن كانت تنتظم داخل إطار فوقي واحد.
هنا يتموضع الصراع الطبقي لا في “السيطرة” على الدولة، بل في تفكيك احتكارها لتمثيل المصلحة العامة داخل أجهزتها.
الصراع الفعلي لا يدور حول من يحكم، بل حول:
من يحدد أولويات الإنفاق
من يعرّف الأمن
من يصوغ القانون
ومن يحتكر العنف المشروع
هذه المواقع ليست محايدة، لكنها أيضًا ليست مغلقة. غير أن فتحها لا يتم عبر الخطاب، بل عبر تنظيم اجتماعي قادر على فرض كلفة سياسية واقتصادية على استمرار الفوقية.
3. التنظيم الطبقي وحدود التمثيل
يُخطئ الوعي السياسي حين يخلط بين التنظيم والتمثيل.
فالنقابات، الأحزاب، والحركات الاجتماعية لا تصبح أدوات صراع تلقائيًا لمجرد وجودها داخل الدولة، بل قد تتحول سريعًا إلى قنوات استيعاب للصراع بدلًا من تعميقه.
يميل جهاز الدولة إلى تحويل التمثيل إلى وظيفة ضبط:
تفاوض بلا ضغط
مشاركة بلا قدرة
اعتراف بلا تأثير
عند هذه النقطة، لا يعود التنظيم وسيطًا للصراع، بل جزءًا من آلية إدارته.
الصراع الطبقي داخل الدولة لا يُقاس بعدد المقاعد ولا بحجم الحضور الرمزي، بل بمدى القدرة على تعطيل سير الدولة حين تنقلب على مصالح الأغلبية.
4. الدولة بين المركز والأطراف
تتخذ علاقة الصراع بالدولة شكلًا متناقضًا بين مراكز رأس المال وأطرافه.
في المراكز، تتآكل الدولة بوصفها دولة، وتتحول تدريجيًا إلى سلطة سطوة مالية–أمنية، بينما يُصدَّر خطاب “اللادولة” إلى الأطراف كأفق زائف للتحرر.
في الأطراف، يصبح النضال من أجل الدولة—السيادة، القانون، الاحتكار الشرعي للعنف—جزءًا من الصراع الطبقي ذاته، لا نقيضًا له.
الدفاع عن الدولة هنا ليس محافظة، بل مواجهة مباشرة لهيمنة رأس المال العالمي الذي لا يحتاج إلى دولة قوية بقدر ما يحتاج إلى فضاء مفتوح للنهب.
5. حدود التماهي وإمكانه المشروط
إذا كانت الدولة تميل بنيويًا إلى الاستقلال والتحول إلى طبقة فوق الطبقات، فإن أي تماهي بينها وبين مصالح الأغلبية لا يمكن أن يكون نهائيًا أو مستقرًا.
التمـاهي ليس حالة، بل لحظة صراع.
ليس وعدًا تاريخيًا، بل نتيجة مؤقتة لتوازن قوى.
كلما تراخى الصراع، استعادت الدولة وظيفتها الأصلية:
إدارة التفاوت بدلًا من تقليصه،
وحماية ذاتها بدلًا من حماية المجتمع.
بهذا المعنى، لا يقدّم هذا الفصل وصفة سياسية، بل يحدد حدود الفعل الممكن:
الصراع داخل الدولة ضرورة تاريخية،
والتماهي هدف مؤقت،
والانزلاق الفوقي خطر دائم.
خاتمة الفصل
ما يثبته هذا الفصل هو أن الصراع الطبقي لا ينجح خارج الدولة، ولا ينجو داخلها دون تنظيم وضغط دائمين.
الدولة ليست ساحة محايدة ولا عدوًا مطلقًا، بل بنية متحركة تتحدد وظيفتها بميزان القوة المفروض عليها.
ومن دون هذا الفهم، يتحول النقد إلى وعظ، والفعل إلى تكرار للهزيمة.