غفور غلام.. الأديب الذي لعب دورًا كبيرًا في تطوير الأدب الأوزبكي


فهد المضحكي
2026 / 2 / 7 - 14:03     

تنوعت إبداعاته ما بين: الشعر، والأغاني، والقصائد، والقصص، والروايات، والترجمة. وتمتعت أعماله الإبداعية بشهرة واسعة خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، ولعبت دورًا كبيرًا في تطوير الأدب الأوزبكي. وجد تاريخ الشعب الأوزبكي مكانة لائقة في أعماله الشعرية والنثرية.

منذ نحو عشر سنوات، نَشرت مجلة «المعرفة» السورية بحثًا للأكاديمي السوري د. محمد البخاري، تناول فيه أعمال الأديب الأوزبكستاني غفور غلام.
يقول د. البخاري: اشتهر غفور غلام (1903-1966) بمواهبه الأدبية وترجماته لأعمال بوشكين، وليرمانتوف، وغيرباييدوف، وماياكوفسكي، وناظم حكمت، وروستافيلي، ونظامي، وشكسبير، ودانتي، ولومارشيه، وغيرهم من الأدباء إلى اللغة الأوزبكية.

تشير سيرته الذاتية إلى أنه وُلد في أسرة ميكانيكي بمدينة طشقند. وكان أبوه متعلمًا. قرأ مؤلفات الأدب الكلاسيكي الأوزبكي والطاجيكي، وتمكّن من اللغة الروسية، وكتب الشعر، وكان يزوره في بيته شعراء كبار أمثال: مقيمي، وفورقت، وعسيري، وخلصت، وغيرهم من الأدباء الأوزبك.

وفي خريف عام 1916 ترك غفور غلام الدراسة بالمعهد المتوسط. بعد وفاة أمه (توفى والده قبلها)، واضطر للعمل وجرب الكثير من المهن، وفي النهاية اشتغل في صف الحروف في المطبعة. وفي عام 1919 وحتى 1927 مارس التعليم المدرسي، وأصبح مديرًا للمدرسة، ورئيسًا لاتحاد العاملين في التعليم المدرسي، ومشاركًا في منظمات دور رعاية الأطفال اليتامى.

وفي عام 1923، أخذت تظهر أشعاره، وقصائده، ومقالاته، وقصصه الساخرة في الصحف والمجلات المحلية، وفي نفس العام كتب قصيدته الشعرية «أطفال فيليكس»، التي صور فيها حياة اليتامى، وتحدث عن معاناة الأطفال اليتامى، ونشر في مجلة «المعارف والمعلمين» قصيدته الشعرية القص «بماذا يكمن الجمال؟»، وبالتسلسل صدرت مجموعاته الشعرية: «دينامو»، و«اللوحات الصينية»، و«نحن معكم بشر أحياء»، وغيرها من الأشعار.

والأشعار التي كتبها غفور غلام في بدايات ثلاثينيات القرن الماضي كانت نقطة تحوّل إلى أشكال شعرية جديدة في الأدب الأوزبكي، شجعت لحدّ كبير على دراسة الشعر الكلاسيكي الروسي، بالإضافة لوصفه التبدلات الرائعة التي جرت في المنطقة التي يعيش فيها. من: التصاعد العاصف للصناعة، ومد خط السكك الحديدية توركسيب، وغيرها من المشاريع الضخمة، والتي احتاجت لمفردات لغوية جديدة، وألوان شعرية جديدة، ونغمات وإيقاعات جديدة.

وفي معرض حديثه عن رواية «أنيتاي» لغفور غلام، أشار د. البخاري إلى أن النص مؤلف رائع مليء بأوسع الصور الاجتماعية. واعتمد جوهره على أحداث واقعية، تحدثت عن آخر أمراء بخارى الذي توقف في طشقند في طريقه إلى بيتربورغ. وقام الأغنياء بفعل كل ما يرضي الأمير ويسعده. وللتسلية أحضروا له الفتاة أنيتاي، وهي، كما وصفها، فتاة لطيفة من أوساط العمال البسطاء، وهي فتاة يتيمة تبلغ من العمر عشر سنوات، ورغم صعوبة الحياة، كانت غنية روحيًا في كل تفاصيل أحاسيسها.

وعكست الرواية تنوع وليونة مواهب الأديب غلام وعبرت عن مهارته في فن النثر.
وغفور غلام عضو أكاديمية العلوم في أوزبكستان (1943)، قام بدراسة «الجديد ومرحلتنا» (1948)، و«الفلكلور مصدر لا ينضب» (1939)، وكتب مقالات «مأساة جلال الدين» (1945)، و«مقيمي» (1941).
وفي قصيدته «فصلين» مجد إعادة بناء القرى، وعبر عن أحاسيس الفلاحين الأوزبك وأحلامهم بالمستقبل الأفضل.

اشتهر غلام بكونه أستاذًا في القصة القصيرة ذات المواضيع الجادة، وأدخله أسلوبًا روائيًا، حيث يتوجّه المؤلف بكلام حر إلى القراء على شكل أحاديث ومناقشات حية معبرة عن الصداقة، ومليئة بأسئلة وأجوبة المؤلف نفسه. وأكثر المؤلفات النثرية، التي ألفها غفور غلام في ثلاثينيات القرن الماضي، كانت مكرّسة للإنسان الجديد والعلاقات المتبادلة. والقضايا الرئيسة التي وضعها ووضع الحلول لها في أعماله النثرية، وهي النضال من أجل التربية الأخلاقية للإنسان، ومن أجل التطور الأخلاقي والثقافي.

وأنشأ في مؤلفاته النثرية أشكالًا ساطعة وإيجابية، للبطل الإيجابي، الذي صوّره بشخصية الإنسان ذي الصدر الواسع «جوره» في رواية «يادغار»، وهو الذي ربى طفلًا غريبًا عنه، وصوّر العلاقة بين الإنسان العادي والطفل الغريب، وكذلك مستوى «جوره» الأخلاقي العالي.

وكرّس الأديب غلام الكثير من مؤلفاته للأطفال. وتُعد من أكثر قصصه نجاحًا «الفهلوي»، التي تحدث بطل القصة فيها عن نفسه وعن حياته المأساوية. وركز المؤلف على تصوير حياة وأحاسيس الفهلوي، وعلى أوضاعه الروحية الداخلية. ووصف الأحداث الخارجية، والأشياء بدقة، ووصف كل ما يحيط الصبي ببطل القصة، في شكل حبكته للعمل الأدبي. كما خصّ غفور غلام الأطفال واليافعين بأشعار رائعة، مثل «طفولتين» و«أنا أعرف»، و«ينتظرك الوطن».

وخلال سنوات الحرب، حصلت أشعاره على شهرة واسعة؟ مثل: «أنا في انتظارك يا ابني»، و«الوقت»، و«الوداع»، و«المرأة»، و«سيكون في شارعنا عيد»، تغنى بصمود وقوة الأباء، الذين بعملهم البطولي في الجبهة الداخلية قربوا النصر على لعدو.
وبعد سنوات الحرب نشر عدد من المجوعات الشعرية: «نيران أوزبكستان»، و«الأمهات»، و«يحيا السلام»، وهي أشعار سعى من خلالها الشاعر نحو المسائل المهمة لأوقات السلم، وأظهرت نجاحات الشعب الأوزبكي في مجال العمل، وأبطال مؤلفاته - من المحاربين السابقين - واشتغالهم بأعمال السلام، والعمل السلمي.

وكان الأديب غلام مناضلًا متحمسًا من أجل السلام، والصداقة، وسعادة الشعوب. وكتب سلسلة من الأشعار، كرّسها للنضال من أجل السلام. وأفضلها كانت: «من على منبر السلام»، و«يحيا السلام»، و«هذا توقيعك»، وغيرها من الأشعار.
يُعد غلام من أهم أدباء القرن العشرين في أوزباكستان، وكان عضوًا في أكاديمية العلوم وعُيّن «شاعر الشعب لأوزبكستان» في عام 1963، وحصل على جوائز رفيعة من الدولة السوفيتية.

وكان لمؤلفات فلاديمير ماياكوفسكي تأثير كبير في تشكيل آفاق التذوق الفني والفكري عند غلام. وفي أحد مقالاته يقول: «أنا أحب الكلاسيكيين الروس وترجمت الكثير من مؤلفاتهم إلى لغتي الأم. ولكنني أريد أن أسمي نفسي قبل كل شيء تلميذ لماياكوفسكي، الذي فتح لي الإمكانات المتنوعة التي لا تنضب في المجال الإيقاعي، والمفردات، وفي الشكل، والبناء الشعري السليم. وإلى جانب الغضب، تعلمت الهجاء في النقد، وهناك قوة عظيمة تهز المشاعر في كلمات ماياكوفسكي، وسعيت لأختار لنفسي... كل قوة خطابه الرجولي وإيقاعاته، والتعبير الفكري للشعر، واستطعت استخدامها في التركيب الأوزبكي».

لقد لعبت مؤلفات غفور غلام دورًا مهمًا في تطوير الأدب الأوزبكي، وإذا كنا - كما يقول الكاتب - نجد في أشعاره خلال سنوات الحرب مشاعر عميقة لأفكار الناس، الذين والسلاح بأيديهم دافعوا عما شيّدوه قبل الحرب، نجد في تعابيره الشعرية بعد الحرب وبشكل مباشر ومع خلجات قلبه تعبير عن معاناة أولئك الناس الذين دافعوا عن السلام على الأرض. وكانت إبداعاته الشعرية في مرحلة ما بعد الحرب، وبهذا الشكل، تُعد استمرارًا منطقيًا لأغانيه خلال سنوات الحرب.

وأشعاره: «الوطن بانتظارك»، و«احتفال المنتصرين»، عُدّت حلقة وصل بين مرحلتين في إبداعات الأديب الكبير.
إن العادة المتبعة في أوزبكستان أن يُقام للشخصيات البارزة متاحف في البيوت التي يسكنونها قبل وفاتهم تخليدًا لذكراهم، ولتعريف الأجيال الصاعدة بأعمالهم المتميزة والخدمات التي قدموها لوطنهم، وقد أقيم للأديب الأوزبكي غفور غلام متحفًا في بيته الذي سكنه في آخر أيام حياته.


هناك من يرى أن الشاعر غفور غلام شغل موقعًا مهمًا في الحياة الثقافية الأوزبكية، إذ عبّر عن روح أوزبكستان التي تتمسك بأفضل تقاليد الحضارة الشرقية، وتنفتح على هموم الإنسان، خصوصًا لجهة التعبير عن التواصل بين عشرات الجنسيات التى تضمها أوزبكستان، المفتوحة بدورها للمهجرين، والمحرومين من وطنهم، وضحايا الحرب والقهر الذين وجدوا دائمًا في البيت الأوزبكستاني الملجأ والرعاية.