|
|
غلق | | مركز دراسات وابحاث الماركسية واليسار | |
|
خيارات وادوات |
|
|
تروتسكي والمجتمع
إنَّ ليون تروتسكي، بوصفه أحد أبرز مهندسي الثورة البلشفية والمنظّرين الكبار في الماركسية، لا يمكن فهمه بمعزل عن رؤيته العميقة للمجتمع وصراعاته وتعقيداته، إذ لم يكن تروتسكي مجرد قائد عسكري أو سياسي، بل كان مفكراً يربط بين حركة التاريخ والتحولات الاجتماعية، ويرى أن المجتمع ليس كتلة ثابتة بل هو كيان متحوّل تحكمه صراعات طبقية تُنتج أزمات وتُحرّك الثورات، وكان يؤكد دائماً أن أي مجتمع محكوم بالتناقض بين من يملك ومن لا يملك، بين الطبقة المسيطرة التي تحتكر الثروة والسلطة، وبين الطبقات الكادحة التي تبحث عن التحرر، وأن هذا الصراع لا يُحل إلا عبر انتقال ثوري جذري يمنح العمال القدرة على إدارة المجتمع بأنفسهم، ولأجل ذلك طرح تروتسكي مفهوم الثورة الدائمة الذي يقول فيه إن المجتمع لا يصل إلى العدالة بمجرد إسقاط نظام أو تبديل سلطة، بل عبر عملية مستمرة من التطور الثوري، بحيث تنتقل الطبقة العاملة من الدفاع عن حقوقها الصغيرة إلى قيادة المجتمع كله، ولم يكتفِ بهذا بل رأى أن المجتمع لا يمكن بناؤه في دولة واحدة، لأن رأس المال عالمي واستغلاله عالمي، وبالتالي فإن الثورة يجب أن تمتد وتتوسع وإلا فستُخنق، ومن هنا جاءت خصومته العميقة مع ستالين الذي أراد مجتمعاً مغلقاً ومنعزلاً، بينما أراد تروتسكي مجتمعات تتحرر من القيود القومية الضيقة وتلتحق بحركة أممية واحدة، وكان يرى أن المجتمع الاشتراكي يجب أن يُدار بالديمقراطية العمالية الحقيقية لا بالبيروقراطيات القمعية، وأنه يجب أن تكون كل سلطة قابلة للمحاسبة من العمال أنفسهم، لا من طبقة جديدة تتشكل داخل الحزب، ولذلك اعتبر أن المجتمع السوفييتي في زمن ستالين لم يعد مجتمعاً اشتراكياً بل أصبح مجتمعاً مشوّهاً يحكمه بيروقراطيون يعيشون فوق الناس ويستغلونهم، وأن أي مشروع اشتراكي يعيد إنتاج الاستبداد يفقد جوهره، وكان يؤمن بأن المجتمع المتحرر هو الذي يكون فيه التعليم والثقافة أدوات لتحرير الإنسان لا لتدجينه، وفيه الاقتصاد مبني على التخطيط الواعي لا على الفوضى الرأسمالية ولا على قمع الدولة، وأن الإنسان فيه ليس رقماً ولا أداة إنتاج بل قيمة بحد ذاته، وكان يرى أن المجتمع لا يتقدم إلا إذا امتلك أفراده الشجاعة في نقد السلطة ومقاومة الانحراف، وأن الثورة الحقيقية ليست مجرد تبديل للحكام بل تبديل لطريقة التفكير ولطبيعة العلاقات الاجتماعية، ولهذا فإن تروتسكي ظل يكتب ويناضل حتى آخر لحظة في حياته ليحذر من خطر الأنظمة التي تحمل اسم الاشتراكية لكنها تحرق المجتمع من الداخل، ويحث الشعوب على وعي مصالحها الطبقية، وعلى فهم أن المجتمع العادل لا يُمنح من الأعلى بل يُنتزع من الأسفل، وأن مستقبل البشرية مرهون بقدرتها على تجاوز الاستغلال وإقامة مجتمع يقوم على الحرية والمساواة والكرامة الإنسانية، مجتمع يطابق أحلام الإنسان لا مخاوفه.
|
|
||||