|
|
غلق | | مركز دراسات وابحاث الماركسية واليسار | |
|
خيارات وادوات |
|
|
الوعي الاشتراكي الثوري بين الواقعية والترف
الوعي الثوري هو النتيجة لا بدّ منها في المجتمعات عندما تصل لحدّ معيّن من الوعي وإدراك استغلال السلطة الطبقية، وهو شيء طبيعي في استمرار حركة التاريخ، لكنه لا ينتج من فراغ أو من حركة حتمية للتاريخ كما عند ماركس. فإذا قرأنا التاريخ بشكل جيد سنجد أن الثورات والوعي الثوري يتشكلان عندما يكون الواقع الاقتصادي سيئًا، وعندما تقلّ الحريات لهذا الشعب، أو عندما تكون لديه حاجة فكرية أو نفسية أو قضية يؤمن بها. ومما يمكن ملاحظته أن الوعي الثوري في كثير من الأماكن تم اختصاره في الجانب الاقتصادي، في الوقت الذي يمكن لنا ملاحظة أن الجانب الاقتصادي يجب أن يتناسب مع قدر جانب الحريات، لأن الاقتصاد يلهي الشعور عن حرياته الكبرى. فلو أخذنا حريات أقل في وضع اقتصادي جيد، غالبًا لن تقوم الشعوب بأي محاولة للثورة، لأن الوعي الثوري عالق بين الاقتصاد والحرية، فهو يميل غالبًا نحو التوفيق ما دام الاقتصاد جيدًا. ففي دول معينة، على سبيل المثال، إذا قسنا على مستوى الشعوب، فإنها تضحي بالحرية السياسية والمشاركة في تحديد مصيرها مقابل الاقتصاد. وإذا أخذنا شعبًا آخر يعاني من اقتصاد ضعيف بواقع سياسي مزدهر من ناحية المشاركة، فلن يخرج طور السياسة عن كونه وسيلة استغلال لنجاة الفرد السياسي من الواقع الاقتصادي، وسيجاهد بكل ما لديه لتكون الثورة بعيدة عن الشعب، كما هو الحال في عديد من الدول الريعية التي عانت لفترات طويلة من الاحتلال والاستعمار. في هذه الدول، الاقتصاد بحال مزرية، لكننا لم نرَ ثورة ناجحة جدّية لإقامة العدل، لأن الطبقة السياسية قادرة على شغل الشعوب بما هو أهم. فعندما تكون جائعًا، وعندما تكون موظفًا ستُفصل ما لم تُكمل عملك، أو يُستقطع راتبك ما لم تلتزم، أو مجرد عاطل يحصل على راتب تسميه هذه الدولة الكفالة الاجتماعية، محاولة إقناعك بأنك ستعيش بواقع جيد حتى ولو كنت عاطلًا عن العمل أو غير قادر على إيجاد عمل بسبب الحالة الاقتصادية المزرية للبلد، لكنها تعطيك هذا الراتب من خلال توزيع الريع، لأنها دولة ريعية أساسًا. هنا لن تتوفر لديك الفرصة للتفكير بالواقع السياسي بقدر ما سيشغل رأسك كيف تعيش وتوفر قوتك وقوت عائلتك، وهنا تضيع المسألة. فالعامل الذي يعمل مقابل ثمن بسيط جدًّا في اليوم بالكاد يكفيه لتوفير وجبات الطعام ليوم كامل أو لشراء بعض الطعام لأسبوع والمواد الأساسية، لن يفكر في الخروج ضد طبقة سياسية، بل إنه لا يمتلك الوعي الثوري الكافي للتفكير بذلك حتى. أو الموظف الحكومي الذي يعمل بكل ما لديه لأجل راتب بسيط لن يفكر بالثورة لئلا يُستقطع راتبه، ولا الشخص الذي يتقاضى راتب كفالة اجتماعية تستغله الطبقة السياسية من خلاله، هذا الشخص بالتحديد سيرى الدولة كالمنقذ الأعظم لحالته. هنا يكون الوعي الثوري في أدنى مستوياته لدى الشعوب، لأن العوامل يتم إيقافها لكي لا تستمر. وهنا لا يمكن استبعاد أن الوعي الثوري لن يتكون إلا عندما يكون لدينا الأشخاص القادرين على تكوينه، فستكون هذه وظيفة المثقفين الخارجين عن دائرة الاستغلال السياسي الاقتصادي والواقع الطبقي، فهم سيمثلون صفوة المجتمع الثورية، الذين يهمّون بتعليم الشعب من كادحين وعمال وفلاحين أن الثورة ستحقق له حياة كريمة بلا عبودية، ويعلّمون الموظف أن له حقوقًا أعلى من أن تحدها دولة، وإنما العمل له حق إنساني له، لا فضل من الحكومة الاستغلالية عليه. هنا ستكون مهمته تكوين الوعي الثوري للشعب لكي يدرك واقعه وما يعانيه من تحديات يجب أن يتخلص منها.
|
|
||||