في وهم الصنمية الاقتصادية!


ادم عربي
2026 / 2 / 4 - 20:13     

بقلم : د. ادم عربي
في سياق تحليله العميق للنظام الرأسمالي، ولا سيما في عمله الرئيسي "رأس المال"، توقف كارل ماركس , ولو بإيجاز , عند ما سماه "الصنمية السلعية"، كاشفاً  منطقها الاقتصادي الزائف، وكاشفا كيف تتحول العلاقات الاجتماعية بين البشر إلى علاقات بين أشياء. وقد وجد ماركس نفسه مدفوعاً  للحديث عن هذه الظاهرة بسبب سوء الفهم الشائع، في زمنه، لطبيعة النقود، وبالأخص للذهب بوصفه مادة نقدية.
كان الذهب يُنظر إليه باعتباره مصدراً للقيمة بذاته، وكأن قيمته الاقتصادية أو التبادلية نابعة من خصائصه الطبيعية، لا من العمل الإنساني المتجسّد فيه. فبما أن كمية صغيرة منه تستطيع شراء عدد كبير من السلع، ترسّخ الوهم القائل إن الذهب ثمين لأنه ذهب، لا لأنه نتاج عمل كثيف ومركّز.
وليس من قبيل الصدفة أن يحلم بعض الكيميائيين القدماء بإمكانية تحويل الرصاص إلى ذهب، متخيلين أن نجاح هذه العملية سيمنحهم ثراء لا حد له أو ثراء قاروني. غير أن هذا الحلم سرعان ما ينكشف عن سذاجته أمام سؤال بسيط طرحه أحد الحكماء ساخراً منهم حيث قال :
هل سيظل الذهب محتفظاً  بقيمته التبادلية إذا أمكن تحويل كل ، أو معظم ، الرصاص إلى ذهب؟
إن الإجابة عن هذا السؤال وحدها كافية لفضح الوهم في هذه المسألة ، فالقيمة لا تنبع من طبيعة المعدن، بل من ندرته الاجتماعية، أي من مقدار العمل اللازم لإنتاجه.
لقد جُعل الذهب صنما حين اعتُقد أن قيمته كامنة فيه بذاته، لا في العمل المتراكم داخله. والحقيقة أنه لا يختلف جوهرياً  عن أي سلعة أخرى، سوى في أنه يحتوي على مقدار أكبر من العمل الاجتماعي. ولو كان إنتاجه يتطلب جهداً  أقل، لانخفضت قيمته التبادلية تبعاً  لذلك.
ومع خروج الذهب من التداول المباشر، وحلول بدائله في السوق، وعلى رأسها النقد الورقي، لم تتراجع الصنمية الاقتصادية، بل ازدادت تفاقما ، بل أصبحت وثنية اقتصادية،  وانتقلت الوثنية من صنم ذهبي إلى صنم ورقي، وهبط مفهوم الاستثمار إلى مستوى الخرافة الصرفة. صار المستثمرون يقيسون ثرواتهم بأكوام من الأوراق، مقتنعين ، أو متوهمين ، أن المال يولّد المال من تلقاء ذاته، دون حاجة إلى إنتاج أو عمل.
ولو سألت مستثمرا عربياً  ذكياً عن معنى الاستثمار، لأجابك فوراً  بأنه امتلاك كمية من النقود أو الأوراق المالية، تُستخدم لشراء أوراق أخرى حين تكون رخيصة، ثم بيعها حين ترتفع أسعارها، فتتحقق الأرباح من فرق السعر ومن قانون العرض والطلب. ومع تراكم هذه الأرباح الورقية، يتعزز الإيمان بأن الثروة ليست سوى مال يولد مالاً  داخل لعبة الأسواق المالية.
بهذا المعنى، يكون المستثمرون قد ارتدوا عن عقيدتهم الاقتصادية الأولى، القائلة إن العمل ، والعمل وحده ، هو مصدر كل ثروة حقيقية. وحلّت محلها عقيدة جديدة أقرب إلى السحر والشعوذة، عبّرت عنها الليبرالية الجديدة" بوصفها دعوة للإيمان بأن الأوراق المالية، لا العمل، هي مصدر الثروة، وأن هذه الأوراق تمتلك قدرة سحرية على التكاثر الذاتي.
لكن من أين جاء هذا الإيمان؟
إنه نتاج مشهد مضلل لا يُرى إلا نصفه. يرى الناس مستثمرا يملك مليون دولار، يدخل السوق، يشتري ويبيع، ثم يخرج منها وقد أصبح يملك مليوناً  ونصف المليون. فيبدو لهم أن ثروته قد نمت، وأن المال قد أنجب مالاً .
غير أن النصف الآخر من المشهد غالباً ما يُحجب: هناك مستثمر آخر كان يملك مليون دولار، لكنه خسر في اللعبة نفسها، فخرج منها بنصف مليون فقط. ربح الأول لأنه خسر الثاني، وما كسبه هذا لم يكن سوى المقدار ذاته الذي فقده ذاك.
بهذا المعنى فقط يمكن الحديث عن أرباح داخل الأسواق المالية. فالسوق، في مجموعها وعملياً، لم تربح ولم تخسر. وإذا كانت قيمة السوق  ، في مثالنا هذا ، مليوني دولار، فإنها تظل مليوني دولار بعد انتهاء عمليات الشراء والبيع. لم تُخلق ثروة جديدة، بل جرى فقط إعادة توزيع للثروة القائمة.
أما لو استُخدم  مليونا دولار  في شراء آلات، ومواد أولية، وقوى عمل بشرية، وتم توظيفها في عملية إنتاج حقيقية، فإن الناتج قد يصبح ثلاثة ملايين دولار. هنا فقط تُخلق ثروة جديدة، وهنا فقط يتحول المال إلى أداة لتنمية الثروة الحقيقية للمجتمع.
فالاقتصاد الحقيقي ، أي الاقتصاد المنتج للسلع ، هو المجال الوحيد الذي تتحول فيه الثروة الورقية إلى ثروة مادية نامية. وفيه وحده يُنتج الربح الحقيقي، لأن مصدر هذا الربح هو العمل الحي، المصدر الأوحد لكل ثروة اجتماعية.
المال، بوصفه نقودا ورقية، لا ينتج الثروة، بل يحقق قيم السلع المنتَجة. فالتداول النقدي هو الوسيط الذي تتحقق عبره القيم، لا المصدر الذي يخلقها. وعندما يُوظَّف المال داخل الاقتصاد الحقيقي، ومن خلال العمل البشري، تنمو ثروة المجتمع نمواً فعلياً ومستداما.
وتبلغ الكارثة ذروتها كلما تعمّق الانفصال بين الاقتصاد الورقي والاقتصاد الحقيقي. فكلما حُجبت الثروة النقدية عن مجالات الإنتاج، وضُخّت في أسواق المال والمضاربات، وكلما سيطرت عقلية المقامرة على المستثمرين، تراكمت أسباب الانهيار. عندها لا يخرج المجتمع من أزمة إلا ليدخل في أخرى أشد عنفا منها، إلى أن يصبح خيار "إعادة البناء عبر الهدم" أكثر رجحانا من خيار الإصلاح، الذي لا يعود قادراً  ، كما يقول المثل ، على أن يصلح ما أفسده الدهر.