الدولة كطبقة: في نقد الماهية والهيمنة وإمكان التماهي


ليث الجادر
2026 / 2 / 4 - 00:51     

الفصل الاول :
ليست الدولة كيانًا محايدًا يقف خارج الصراع الاجتماعي، كما ليست مجرد أداة تقنية خالصة بيد الطبقة المهيمنة تُستخدم ثم تُرمى. الدولة، في تشكّلها الحديث، هي نتاج الصراع الطبقي لكنها لا تذوب فيه؛ إنها بنية فوقية تتكاثف داخلها علاقات القوة، وتعيد إنتاج ذاتها بوصفها سلطة مستقلة نسبيًا، تعمل على تثبيت موقعها كشرط سابق على المجتمع لا كنتاج له.
من هنا لا ينطلق هذا البحث من السؤال التقليدي: أي طبقة تحكم الدولة؟
بل من سؤال أعمق: كيف تعمل الدولة حين تحكم، وكيف تتحول من وسيط قسري إلى قوة فوقية قائمة بذاتها؟
1. من أداة القمع إلى بنية فوقية مستقلة نسبيًا
يُعرّف التحليل الماركسي الكلاسيكي الدولة بوصفها أداة قمع طبقي، جهازًا يخدم مصالح الطبقة السائدة اقتصاديًا. غير أن هذا التعريف، إذا جُمِّد خارج حركته التاريخية، يفقد قدرته التفسيرية. فالدولة، مع تعقّد البنى الرأسمالية وتضخم أجهزتها، لا تبقى أداة شفافة، بل تتحول إلى بنية ذات منطق خاص، تحمي شروط وجودها واستمراريتها قبل أي شيء آخر.
القانون، البيروقراطية، الجيش، الأجهزة الأمنية، المالية العامة، والخطاب الوطني—كلها لا تعمل فقط بوصفها أدوات بيد طبقة بعينها، بل كآليات لإعادة إنتاج الدولة نفسها كسلطة عامة متعالية. عند هذه النقطة، يبدأ التمايز الحاسم بين الدولة والنظام السياسي، وبين الدولة والطبقة التي أنشأت شروط سيطرتها.
بهذا المعنى، يمكن توصيف الدولة بوصفها طبقة فوق الطبقات:
لا تنتج القيمة مباشرة،
لكنها تنظّم شروط إنتاجها وتوزيعها بالقسر،
وتفرض نفسها كإطار إلزامي للصراع الاجتماعي.
2. الاحتجاج الطبقي وحدود استهدافه
تُظهر الخبرة التاريخية أن كل الاحتجاجات الطبقية، سواء أدركت ذاتها بوصفها طبقية أم لا، تتجه عمليًا نحو إصلاح النظام السياسي أو تغييره، لا نحو تفكيك ماهية الدولة. هذا لا يعود إلى قصور في الوعي بقدر ما يعود إلى نجاح الدولة الحديثة في تقديم ذاتها كقدر تنظيمي لا بديل له.
في العراق، وُجِّهت الاحتجاجات الواسعة ضد الفساد، المحاصصة، والنخب الحاكمة، بينما ظل مطلب “الدولة” ذاته مطلبًا مركزيًا: دولة سيادة، دولة خدمات، دولة قانون. لم تُستهدف الدولة بوصفها بنية، بل النظام الذي صادرها.
في فرنسا، تتكرر الاحتجاجات الاجتماعية ضد سياسات التقشف وإصلاحات التقاعد، لكنها تظل محصورة داخل الإطار الجمهوري للدولة، رغم كون هذا الإطار ذاته أداة ضبط رأسمالي متقدمة.
وفي إيران، وعلى الرغم من الطابع السياسي الحاد للاحتجاجات، يبقى الاشتباك موجّهًا إلى السلطة الحاكمة لا إلى الدولة بوصفها جهازًا فوقيًا يعيد إنتاج السيطرة حتى في لحظات الاضطراب.
هذا النمط المتكرر يكشف أن الدولة نجحت تاريخيًا في تحييد ذاتها عن النقد الجذري، وتحويل الصراع إلى صراع على إدارتها لا على بنيتها.
3. نقد الدولة والافتراق عن الأناركية
إن توصيف الدولة كطبقة فوق الطبقات لا يقود إلى موقف أناركي. فالأناركية ترفض السلطة بوصفها مبدأً، وترى في الدولة بنية يجب إزالتها. أما هذا الطرح فينطلق من الإقرار بأن الدولة واقع تاريخي لا يمكن القفز عليه، وأن غيابها لا يعني تحررًا، بل انكشافًا اجتماعيًا غالبًا ما يُملأ بأشكال أكثر فجاجة من السيطرة.
نقد الدولة هنا ليس رفضًا لوجودها، بل نقدًا لتحولها البنيوي إلى سلطة متعالية تعمل ضد الأغلبية الأجيرة. الصراع ليس حول الدولة كفكرة مجردة، بل حول ماهية الدولة القائمة ومنطق عملها.
4. إعادة التماهي: إمكان مشروط بالصراع
إذا كانت الدولة تميل بنيويًا إلى الاستقلال والتحول إلى طبقة فوق الطبقات، فإن إعادة ربطها بمصالح الأغلبية لا تكون وعدًا أخلاقيًا ولا نتيجة تلقائية. إنها إمكان تاريخي مشروط بالصراع الطبقي المنظّم.
إعادة التماهي بين الماهية المجردة للدولة ومصالح الأغلبية الأجيرة لا تتحقق إلا عبر:
تنظيم اجتماعي قادر على فرض توازن داخل أجهزة الدولة،
كسر احتكار النخب لتمثيل “المصلحة العامة”،
وتحويل الدولة من جهاز إدارة التفاوت إلى أداة ضبط له لصالح الأغلبية.
من دون هذا الاشتباك، تعود الدولة إلى وظيفتها الأكثر رسوخًا: إدارة التفاوت لا إلغاؤه.
5. ملخص البحث
ما يثبته هذا الفصل هو:
أن الدولة ليست مجرد أداة طبقية، بل بنية فوقية ذات ميل استقلالي.
أن الاحتجاجات الطبقية تستهدف النظام السياسي لا ماهية الدولة.
أن نقد الدولة هنا ليس أناركيًا بل صراع على إعادة تماهيها.
وأن الدولة ضرورة تاريخية، لكنها ضرورة مشروطة بالصراع ضد انزلاقها الفوقي.