روسيا وما تَبقّى من ملفات الهيمنة على سوريا
أحمد جميل حمودي
2026 / 2 / 3 - 22:12
تبدأ الصورة اليوم مع إدارة سورية جديدة تحاول ترتيب أوراق التناقضات الدولية والإقليمية التي تراكمت خلال سنوات الثورة، وتعمل في الوقت ذاته على تحييد الأوراق التي ما تزال بعض الأطراف تحاول الإمساك بها داخل الساحة السورية، التي تسعى لإعادة إنتاج حضورها بأشكال مختلفة كلما سنحت الفرصة.
ورغم أن روسيا سحبت قاعدتها من مطار القامشلي، وهي القاعدة التي جاءت أصلاً بطلب من قسد في وقت أرادت فيه مواجهة التهديد التركي، وهو ما اعتُبر حينها غطاء حماية روسياً لها بالاضافة للأمريكي، فإن هذا الانسحاب بدا بمثابة رفع ذلك الغطاء أو تخفيفه على الأقل، في إشارة إلى تغيّر الحسابات الروسية في المنطقة.
لكن رغم ذلك، تمت زيارة الشرع إلى روسيا، وهو ما يوحي بأن هناك ملفات أخرى حساسة ما تزال قيد البحث، خاصة بعد التسريبات التي تحدثت عن تواصل بعض ضباط العصابة الساقطة مع أطراف خارجية، من بينها "الإسرائيلي المفترض" والمسمى عاكف (الهاكرز)، وهي تسريبات أعادت فتح باب الأسئلة حول ما تبقى من شبكات أمنية تتحرك في الظل، وحول الجهات التي قد تستفيد من إعادة خلط الأوراق في سوريا.
وهنا يطرح السؤال نفسه الآن:
هل كان هناك دور للمخابرات الروسية، والتي يُفترض أنها تعمل وفق التوجيهات العليا في الكرملين، في محاولة انقلاب آذار في الساحل السوري؟
قد لا توجد حتى الآن أدلة معلنة قاطعة، لكن التجارب السياسية تقول إن القوى الكبرى نادراً ما تتخلى عن أدوات نفوذها بسهولة.
شخصياً، لا أعتقد أن على السلطة الحالية أن تأمن جانب روسيا، فالتجربة القاسية خلال سنوات الحرب أثبتت أن موسكو تعاملت مع سوريا باعتبارها ساحة نفوذ لا أكثر، والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين. وربما تكون اليوم فرصة تاريخية للسلطة الحالية كي تخرج من العباءة الروسية، وأن تطالب بسحب القواعد الروسية من سوريا، في حميميم وطرطوس، والانضمام تدريجياً إلى النادي الغربي بدل البقاء رهينة توازنات القوى الإقليمية والدولية.
وهنا تحضر تجربة مصر عندما انتقلت من المعسكر السوفيتي إلى المعسكر الغربي في عهد الرئيس أنور السادات. منذ ذلك التحول وحتى اليوم بقيت مصر ضمن هذا المعسكر، مع ما حمله ذلك من تغيرات سياسية واقتصادية عميقة.
لكن في المقابل، تتحدث تسريبات عن رغبة السلطة الجديدة في تسليح الجيش السوري الفتيّ، حتى لو تم ذلك عبر صفقات سلاح روسية، رغم الدور الذي لعبه النظام الروسي خلال الحرب، والذي ارتبط في ذاكرة السوريين بالقصف وتجريب أسلحة مدمرة على المدن السورية، وما نتج عن ذلك من تدمير واسع للبنية التحتية وسقوط آلاف المدنيين.
ولكن يبدو منطق السياسة غَيْرْ منطق المبادئ كما قال يوما رئيس الوزراء البريطاني الأسبق لورد بالمرستون (Lord Palmerston) في القرن التاسع عشر:
"ليس لنا حلفاء أبديون، وليس لنا أعداء دائمون، إنما مصالحنا هي الدائمة والأبدية".."
والتي باتت تردد صيغته في السياسة المعاصرة بأنها لا صداقات ولا عداوات بين الدول بل مصالح.
كذلك، فإن العوامل الاقتصادية تفرض نفسها بقوة. فالسلطة الجديدة تسلمت دولة منهارة اقتصادياً واجتماعياً، وتحتاج إلى شركاء قادرين على تشغيل الموارد وإعادة تحريك قطاعات النفط والمياه والموانئ، إضافة إلى تأمين احتياجات أساسية كالقمح، وهي مجالات تمتلك روسيا حضوراً وخبرة فيها داخل سوريا، ما يدفع فريق الشرع إلى التفكير في تطوير العلاقة مع موسكو بدافع البراغماتية والضرورة أكثر من القناعة السياسية.
ومع هذا كله، يبقى الرأي العام الشعبي الثوري غير ممتن لفكرة تطوير العلاقة مع روسيا، حتى لو جرى تبرير ذلك تحت عناوين الواقعية السياسية والبراغماتية، لأن ذاكرة الحرب ما تزال حاضرة، ولأن الألم الذي خلفته سنوات الصراع لم يتحول بعد إلى مجرد صفحة مطوية في كتاب تاريخ الثورة السورية.
وهناك مصدر قلق آخر يتمثل في العلاقة مع الولايات المتحدة، إذ يرى كثيرون أن واشنطن لا تمتلك حلفاء استراتيجيين بقدر ما تمتلك مصالح متغيرة. ما يبدو أن أي سلطة جديدة لا تملك سوى خيار التحالف مع الأمريكي باعتبار الأخير شرّ لا بدّ منه، كما قال مازحا يوما هنري كيسنجر، عرّاب الدبلوماسية الأمريكية، عبارته الشهيرة: «أن تكون عدوًا لأمريكا أمر خطير، وأن تكون صديقًا لها أمر قاتل!».
وقد يقال إن تخلي الولايات المتحدة عن بعض القوى المسلحة في المنطقة يعود لكونها تشكيلات ميليشياوية مؤقتة، لكن السؤال يبقى قائماً: ماذا عن تخليها أيضاً عن أنظمة حليفة لها مثل مصر وتونس خلال ثورات الربيع العربي عندما تغيّرت موازين القوى في الشارع؟
ويبقى القول قائماً في النهاية: ليس من حق أية سلطة، ثورية كانت أو منتخبة، أن تتخلى عن المطالبة بمحاكمة بشار الهارب أمام القضاء السوري، لأن أولياء الدم لم ولن يتخلوا عن ضحاياهم، ولأن الجرائم الكبرى لا تسقط بالتقادم، مهما طال الزمن أو تغيّرت التحالفات والوقائع السياسية.
وفي المحصلة، تقف سوريا اليوم أمام اختبار صعب بين ضرورات السياسة الواقعية، وضغوط الاقتصاد المنهك، ومطلب العدالة الذي لا يمكن تجاوزه، ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع السلطة الجديدة بناء توازن جديد دون الوقوع مجدداً في فخ الهيمنة القديمة وكأنك يا أبو زيد ما غزيت ؟