العمال ويناير.. الجانب المهمل من السردية


راوي أحمد
2026 / 2 / 3 - 20:23     

لعبت وسائل الإعلام المصرية الخاصة والحكومية والقوي السياسية ليبرالية كانت أو إسلامية، دورًا متعمدًا في تفريغ ثورة 25 يناير 2011 من مضمونها الاجتماعي، من اختزال الثورة في بعض الشباب الثوري الذي تجمع ونظم نفسه عبر وسائل التواصل الاجتماعي (الحديثة آنذاك) ومعارك حول الدستور، ثم وصف الإضراب و الحراك العمالي بـ”المطالب الفئوية” وأيضًا مطالبة القوى الإسلامية والليبرالية العمال والموظفين بالكف عن النضال من أجل انتزاع حقوقهم حتى لا تقف عجلة الإنتاج!

لم تكن الثورة وليدة لحظة 25 يناير بل كانت حصاد أو تتويج كفاحًا كبيرًا امتدت لنحو عقد من الزمان منذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية وحركة التضامن معها، مرورًا بمظاهرات حركة كفاية وإضراب المحلة ديسمبر في 2006 وأم المعارك إضراب 6 أبريل 2008 وصولًا إلي دور الطبقة العاملة الحاسم من يوم 9 إلى 11 فبراير حيث شلت الإضرابات العمالية الإنتاج وأجبرت الطبقة الحاكمة على التراجع وتخلي مبارك عن السلطة، وما تلاها من معارك.

أبرز المحطات قبل 2011
إن كفاح الطبقة العاملة المصرية تاريخ طويل يمتد لآلاف السنين منذ إضراب عمال بناء المقابر في زمن رمسيس الثالث وهو أول إضراب مسجل بالتاريخ حتى يومنا هذا، ولكن في هذا المقال سأكتفي فقط بالمحطات التي أراها مؤسسة للحظة ثورة يناير 2011.

انتفاضة المحلة 2008
في 6 أبريل 2008 انتفضت مدينة المحلة العمالية عن بكرة أبيها.
كان عمال غزل المحلة قد دعوا إلى إضراب عام في الشركة للمطالبة بتحسين المعيشة ورفع المرتبات.
ونظرًا لنضالية وثقل عمال المحلة السياسي تلقفت قوى سياسية وشبابية الإعلان ودعت إلى إضراب عام على مستوى القطر من بينها حركة 6 أبريل.

وفي اليوم المحدد، منعت قوات الأمن الإضراب في الشركة، فاندلعت انتفاضة شعبية خرجت في شوارع المدينة، وللمرة الأولى حطمت المظاهرات صورًا لمبارك كانت معلقة في ميادين المحلة.

قبل انتفاضة المحلة بشهرين وبالتحديد في 18 فبراير من نفس العام تحول إضراب عمال المحلة من مجرد مطالب مباشرة خاصة بالعمال داخل الشركة إلى مطالب عامة وشاملة تهتم بالطبقة العمالية ككل سواء كان قطاع عام أو خاص. وخرج العمال في مظاهرة ضخمة لرفع شعار واحد فقط وهو الحد الأدنى للأجور لكل العمال، وطالبوا أن يكون هذا الحد 1200 جنيه شهريًا.

إن معارك عمال المحلة وبالذات 6 أبريل كانت معركة مؤسسة للحظة الثورة، فهي لحظة التقاء النضال الاجتماعي ضد الافقار والاستغلال والسياسي ضد الاستبداد، وتلك كانت البداية لفهم أهمية النضال الاجتماعي والاقتصادي جنبًا إلى جنب مع النضال السياسي والديمقراطي عبر آليات واضحة.

اعتصام الضرائب العقارية
بالروح بالدم … رزق عيالنا أهم
هذا كان هتافًا لعشرة آلاف موظف من موظفي الضرائب العقارية المعتصمين أمام مقر مجلس الوزراء في ديسمبر 2007 من 22 محافظة كما أكد المعتصمون آنذاك علي أنهم أعلنوا الإضراب في جميع مديريات الضرائب العقارية في جميع المحافظات مطالبين بتحسين أوضاعهم والمساواة مع زملائهم في وزارة المالية كما طالبوا بإقالة رئيس مصلحة الضرائب العقارية.

إن أهمية تلك المحطة تكمن في أنها ضربت مثالًا رائعًا في التنظيم النقابي حيث خرج من رحمها الاتحاد العام للنقابات المستقلة، كما كانت مثالًا يحتذى به في ضرورة وأهمية التنظيم بوجه عام ودوره في حسم المعارك.

ولا نبالغ عندما نقول أن حركة موظفي الضرائب العقارية مثلت مدرسة في النضال الاجتماعي تجاوز تأثيرها موظفي الضرائب العقارية ليظهر بين العديد من تجمعات الموظفين.

إن العدد الضخم لموظفي الضرائب العقارية الذي يتجاوز الخمسين ألف موظف وموظفة وانتشارهم في ربوع الجمهورية يعني أن جهدًا ضخمًا قد بذل لحشد وتعبئة وتوحيد الموظفين. كما أن تسلسل الحركة وتوالي المواقف الاحتجاجية من الاعتصام أمام مجمع مصالح الجيزة في سبتمبر 2006 ثم أمام وزارة المالية ثم اتحاد العمال وأخيرًا الاعتصام التاريخي أمام رئاسة الوزراء في ديسمبر 2007 لا يعبر إلا عن طول نفس وصلابة نادرة مع العلم أن هذه المواقف وغيرها لم تنظم وتنفذ إلا في أسوأ الشروط السياسية.

لقد استطاع موظفو وموظفات الضرائب العقارية أن يحققوا قفزة هائلة في تغيير مفاهيم العمل النقابي وفرض الحريات النقابية كأمر واقع. ففي الوقت الذي اتخذ فيه التنظيم النقابي الرسمي موقفه المتخاذل المعتاد من حركة الموظفين وبدأ في التآمر على الحركة نظم موظفو الضرائب العقارية اللجنة العليا لقيادة الإضراب ومثلوا فيها كل المحافظات وضربت أفضل مثل في العمل النقابي بكل أشكاله، بل وانتزعت شرعيتها مباشرة من الموظفين دون أوراق معتمدة من الجهات الرسمية؛ مما أدى بالجميع الاعتراف بها كممثل للموظفين ونسيان التنظيم الرسمي.

وكما ضرب الموظفون في نضالهم مثلا في العمل النقابي ضربوا مثلا في ممارسة الديمقراطية بأفضل صورها فعلى مدار نضالهم البطولي اتخذ الموظفون كافة القرارات والمواقف بالتصويت المباشر بالأغلبية أو الإجماع وعلى الرغم من الدور القيادي والمكانة الخاصة التي تمتع بها بعضهم مثل “كمال أبو عيطة” إلا أن ذلك لم يجعل آراءهم معفية من النقاش بل والرفض أحيانًا مع التزامهم جميعا برأي الأغلبية حتى لو لم يتفقوا عليه. وكان مثالًا على ذلك عندما جرت مفاوضات مع وزير المالية عرض فيها تلبية مطالب الموظفين على مراحل ودون اتفاق مكتوب فعرض المفاوضون ذلك على المعتصمين الذين وقع انقسامًا بينهم فتم تأجيل التصويت على العرض حتى الصباح ليتمكن الجميع من التفكير والتشاور.

وفي الصباح تم التصويت في مشهد جليل يتحدى أعرق ديمقراطيات العالم عن طريق الجلوس للرفض والوقوف للموافقة، فجلس الجميع معلنين الرفض واستمرار الاعتصام.

لقد عكس نضال موظفي الضرائب العقارية درجة من النضج ما كان أحد يتصور وجودها في المجتمع المصري خاصة فيما يتعلق بالنظر لدور المرأة فبعيدًا عن المقولات النخبوية وشعارات المحافل والمنتديات التي تتحدث عن تمكين المرأة، ضرب نضال الضرائب العقارية المثل المباشر ودون مزايدات في مساواة المرأة بالرجل فالموظفون والموظفات كان لهم نفس الأدوار وبذلوا نفس الجهد جنبًا إلى جنب لإنجاح الحركة ولم تتردد الموظفات في المبيت في الاعتصام للدفاع عن الحقوق الجماعية وكن في قيادة الاعتصام على قدم المساواة مع الرجال وتفوقن في تحمل الظروف القاسية.

وكما استطاع الموظفون في حركتهم تجاوز المواقف الرجعية من المرأة تجاوزوا أيضًا المواقف الطائفية الرجعية فاندمج المسلمين والأقباط في نضال واحد ضد استبداد واحد وظهر في قيادة الحركة الأقباط والمسلمين كوحدة نضالية واحدة.

وعلى الرغم من مواقف التضامن التي أحاطت بالحركة إلا أن الحركة استطاعت ببراعة أن تحافظ على استقلالها عن الجميع وأن تحمي نفسها من التبعية.

العمال في ثورة يناير
خلال أيام ثورة يناير شارك العمال كأفراد في الميادين واستشهد أعداد واسعة من العمال برصاص الداخلية كما كان لهم عامل الحسم، بعد رفع حظر التجول وإغلاق الشركات، تحديدًا في يوم 9 فبراير 2011 أي قبل رحيل مبارك بيومين حيث واصل مئات الآلاف من العمال الاحتجاج ضد النظام وذلك في قطاعات عديدة فكانت الإضرابات في كلًا من السنترالات المركزية في القرية الذكية ورمسيس والعتبة وشركات البترول والمياه والصرف الصحي والأدوية والنقل بهيئة السكة الحديد والكوك للصناعات الكيماوية الأساسية في حلوان وهيئة قناة السويس في الإسماعيلية والسويس وبورسعيد ومؤسسة روزاليوسف الصحفية ونقابة الصحفيين وعدد من المستشفيات الحكومية وغيرهم من المؤسسات التي عطلت الإنتاج، لم يصمد النظام سوى يومين فقط ثم تراجع ورحل مبارك.

وبالرغم من هذه المشاركة الواسعة والمؤثرة للطبقة العاملة فإن هزيمة الثورة السريعة نسبيًا لم يتح المجال أمام تطور حركة نقابية واسعة ومستقلة ومؤثرة أو ظهور حزب عمالي من قلب المواقع وبالتالي غابت مطالب العمال عن المشهد السياسي العام، وضاعت فرصة مهمة للتغيير الاجتماعي.