مثل مقامر خسر ثروته، تريد إسرائيل حربا أخرى


جدعون ليفي
2026 / 2 / 2 - 04:49     

كان هناك حصان نافق في موقع الغارة الجوية الإسرائيلية يوم السبت على المواصي، جنوب غزة. كان المشهد مفجعا؛ جسده البني كان هزيلا، ويبدو أن القصف أنهى معاناته، معاناة حصان جائع أُرغم على العمل الشاق في القطاع. عندما يئن البشر، تئن دوابهم أكثر. في كل مكان، كانت أعمدة الدخان تتصاعد من بقايا الخيام التي لجأ إليها عشرات الآلاف من النازحين البائسين، ملاذًا تبين أنه وهم. عبثا صدقوا وقف إطلاق النار؛ وعبثا ظنوا أنهم في منطقة آمنة. في الأمرين معا، خدعتهم إسرائيل.
كانت الصور القادمة من غزة مروعة، كما هو الحال دائما: جسد امرأة ممزق يُحمل على نقالة؛ رضيع بوجه مشوه يُهوى له يدويا، على الأرجح بلا جدوى؛ جثث مبعثرة على الأرض، وبكاء مرير في الخلفية: امرأة تصرخ ألما فوق جثمان ملفوف ببطانية رخيصة وبراقة.
قبل بزوغ الفجر يوم السبت، قُتل سبعة أفراد من عائلة واحدة في المواصي، جميعهم — وفق الرواية — «بنية تحتية إرهابية». وارتفع عدد القتلى لاحقا إلى 31، بينهم ما لا يقل عن ستة أطفال. كان ذلك أحد أكثر أيام القصف دموية منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. ووفق وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، التي باتت إسرائيل تعتمد أرقامها رسميا الآن، قتلت إسرائيل 509 أشخاص في غزة منذ بدء وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول، ومع ذلك لا يبدو أن حمام الدم هذا كاف لها.
لم تكن غارات السبت نفسها ولا توقيتها مصادفة. فقد زعمت إسرائيل أنها رد على انتهاك حماس لوقف إطلاق النار. يتطلب الأمر قدرا استثنائيا من الجرأة للاحتجاج على خرق حماس للهدنة بعد قتل أكثر من 500 فلسطيني في غزة، واعتبار أن المزيد من القتل المنفلت للمدنيين أمر مشروع لأن بضعة مسلحين خرجوا من نفق. لكن من المستحيل تجاهل التقارب الزمني بين قتلى السبت وبين إعادة فتح معبر رفح المخطط لها يوم الأحد.
من المفترض أن تمثل إعادة فتح الحدود بين غزة ومصر بداية جديدة. تبدأ المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية. هل سيحدث ذلك فعلا؟ ستفعل إسرائيل كل ما بوسعها لإفشاله. ربما لا تكفي 30 وفاة في يوم واحد لتحقيق ذلك، لكنها توفر خلفية مناسبة لـ«خطة السلام». حماس أنجزت ما عليها من الخطة بإطلاق جميع الرهائن، بينما لم تتوقف إسرائيل عن القتل ولو ليوم واحد.
لم يعد الأمر مقتصرا على نزعة سفك الدماء والرغبة في الانتقام التي لم تهدأ منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول. الآن هناك رغبة في تعطيل خطة دونالد ترامب، من أجل العودة إلى الحرب. وقد كتب عاموس هرئيل في «هآرتس» يوم الجمعة أن سياسة الحكومة تقوم على أمل أن تفشل خطة ترامب، وأن يمنح الرئيس الأمريكي إسرائيل الضوء الأخضر لإعادة احتلال غزة. هذا ما تريده إسرائيل.
كان من المفترض أن يشكل تسليم جثمان آخر رهينة نهاية أكثر الحروب التي خاضتها إسرائيل فظاعة، وبداية أمل جديد. لكنها كانت أيضا الحرب الأكثر فشلا، إذ انتهت وإسرائيل في وضع أسوأ بما لا يقاس مما كانت عليه عندما بدأت. إعادة الرهائن وإشباع نزعة الانتقام كانا الإنجازين الوحيدين لأطول حرب خاضتها إسرائيل. أما الأضرار فقد تراكمت. وضع إسرائيل اليوم أشد خطورة بكثير مما كان عليه في 2023. داخليا وخارجيا، هذه دولة مختلفة، ووضعها أسوأ.
بشكل مأساوي، حتى أولئك الذين يفهمون حجم الضرر الذي ألحقته حرب غزة بإسرائيل يريدون المزيد منها. أمر لا يُصدق. مثل مقامر خسر ثروته، تريد الحكومة جولة أخرى. إذا لم تنجح القوة، فالمزيد من القوة. لكن إلى أي مدى يمكن ممارسة المزيد من القوة على قطاع مدمر أصلا؟
لا يبدو أن هذا يزعج معظم الإسرائيليين. لم ينزل الإسرائيليون إلى الشوارع بأعداد كبيرة لمنع جولة أخرى من الإبادة. ولمسة شيطنة أخيرة: ضمن تقرير لوكالة أسوشيتد برس عن قتلى السبت في غزة، ظهر إعلان باللغة العبرية: «ضربة هذا الشتاء – حوض استحمام دوار مستورد من الولايات المتحدة. جاكوزي ولياقة بدنية في حديقتك الخلفية». إسرائيل 2026.