نفاق الاتحاد الأوروبي: حقوق الإنسان


نهاد الزركاني
2026 / 1 / 31 - 23:37     

نفاق الاتحاد الأوروبي: حقوق الإنسان( حين تُقاس بميزان المصالح)
بقلم نهاد الزركاني
لا يعاني النظام الدولي من غياب مواثيق حقوق الإنسان، بل من انفصامٍ عميق بين النص والتطبيق، يتصدره الاتحاد الأوروبي بوصفه أكثر الفاعلين ادّعاءً للقيم وأشدّهم انتقائية في ممارستها. فبينما يقدّم نفسه حارسًا للأخلاق الكونية، يكشف سلوكه السياسي أن هذه القيم ليست مرجعية ملزمة، بل أداة تفاوض وضغط تُستخدم عند الحاجة وتُعلّق عند التعارض مع المصالح.
يستند الخطاب الأوروبي إلى عالمية الحقوق وعدم قابليتها للتجزئة، غير أن الممارسة تُظهر عكس ذلك تمامًا. فالحقوق تُجزّأ عمليًا، وتُمنح وفق اعتبارات سياسية بحتة. أما العقوبات، التي يفترض أن تكون أداة قانونية محكومة بقرارات مجلس الأمن، فقد حوّلها الاتحاد الأوروبي إلى وسيلة ضغط مستقلة، تُفرض خارج الشرعية الدولية، وتُسوّغ بلغة أخلاقية فضفاضة، رغم آثارها الكارثية على (المجتمعات لا على الأنظمة) الأخطر أن هذه الأدوات لا تُفعّل إلا حيث تكون الكلفة السياسية محدودة، فيما تُجمّد حين تمسّ حلفاء محميين _بالمظلة الأمريكية_
في الحالة الفلسطينية، يبلغ النفاق الأوروبي ذروته. فكل عناصر الإدانة القانونية متوافرة، من قرارات أممية إلى تقارير حقوقية موثّقة، ومع ذلك يختار الاتحاد الأوروبي (الصمت) لا عجزًا، بل تواطؤًا سياسيًا مقنّعًا. فالاتفاقيات الاقتصادية والتجارية، وأدوات الضغط المتاحة، تبقى بمنأى عن الاستخدام، لأن تطبيق القانون هنا سيصطدم مباشرة بالإرادة الأمريكية وبالتحالفات الاستراتيجية، فيُعلّق القانون وتُفرّغ القيم من مضمونها.
وفي سوريا، لا يختلف المشهد كثيرًا. فحقوق الإنسان لم تكن معيارًا ثابتًا، بل ورقة تُرفع وتُخفض تبعًا لتبدّل (التموضع السياسي) وحين تغيّرت خرائط النفوذ، تغيّرت لغة الاتحاد الأوروبي، لا طبيعة الجرائم. التحول في التعامل مع الجولاني مثال صارخ على هذا الانزلاق إذ جرى تليين الخطاب ومنح شرعية أمر واقع دون أي مسار مساءلة أو محاسبة، في تجاوز واضح لكل ما ادّعاه الاتحاد سابقًا من التزام بالقانون والعدالة.
أما إيران، فهي المثال الأكثر فجاجة على ((ازدواجية المعايير الأوروبية)). فعقوبات طويلة الأمد، معظمها خارج مجلس الأمن، فُرضت تحت عناوين متعدّدة، من الملف النووي إلى (حقوق الإنسان)، دون أن تقترن بمقاربة قانونية متوازنة أو بمعايير تُطبَّق على دول أخرى في الإقليم. تحوّلت العقوبات إلى أداة ابتزاز سياسي دائمة، تُدار وفق إيقاع التفاوض مع واشنطن، لا وفق تحسّن أو تدهور فعلي في أوضاع الحقوق، ما يفضح الطابع الأداتي لا المبدئي لهذا الخطاب.
حتى حين يتخذ الاتحاد الأوروبي موقفًا حادًا، كما في الحالة الروسية، فإن هذا ((الصرامة)) لا تخرج عن حدود الاصطفاف الغربي العام. فالمعيار ليس انتهاك الحقوق بحد ذاته، بل قدرة الطرف المستهدف على تحمّل الضغط، وحدود التصعيد المسموح بها أمريكيًا. هنا لا يظهر الاتحاد لاعبًا مستقلًا، بل ذراعًا تنفيذية لمنظومة أوسع، تتقن تسويق المصالح بلغة القيم.
إن نفاق الاتحاد الأوروبي لا يكمن في أخطائه، بل في ادّعائه الطهارة الأخلاقية وهو يمارس سياسة القوة ذاتها التي يدّعي محاربتها. وحين تُدار حقوق الإنسان بهذا القدر من الازدواجية، فإن الضحية ليست دولة بعينها ولا شعبًا محددًا، بل صدقية القيم ذاتها، التي تتحول من مبادئ إنسانية إلى أدوات هيمنة مغلّفة بلغة أنيقة.