أمازون بين التسريحات الجماعية والرقابة على العمال: اختبار أوروبا الكبير للديمقراطية الاجتماعية
جهاد عقل
2026 / 1 / 30 - 13:38
مقدمة
* أمازون بين العمالة الضخمة وانتهاكات الحقوق: تحليل نقابي شامل
تشغل شركة أمازون، إحدى أكبر الشركات في العالم، قوة عاملة هائلة تمتد عبر القارات. وفقاً لأحدث البيانات الرسمية، يبلغ عدد موظفيها حوالي 1.55 مليون موظف حول العالم بنهاية العام 2024، بعد زيادة طفيفة عن العام السابق.
يشمل هذا الرقم العمال الدائمين والمؤقتين في مختلف قطاعات عمل الشركة، من المستودعات واللوجستيات إلى الدعم الإداري والمبيعات.
في أوروبا وحدها، تشغّل أمازون عشرات الآلاف من العمال في المستودعات ومراكز التوزيع وسلاسل التوريد وسواها. على الرغم من عدم وجود رقم رسمي مفتوح خاص بعدد العمال في أوروبا فقط، فإن التوزيع العالمي يدل على أن نسبة كبيرة من قوتها العاملة موزعة بين القارة الأميركية والأوروبية وآسيا بفضل شبكة مراكز ضخمة.
أمازون بهذا الحجم يُعد من بين كبار أصحاب العمل في العالم، فهي تحتل المرتبة الثانية بين الشركات من حيث عدد الموظفين عالمياً، متقدمة على كثير من قطاعات العمل التقليدية.
* كشفت عمليات تدقيق عن انتهاكات لحقوق العمال لدى شركات مورّدة تتعامل مع أمازون، ما يسلط الضوء على ضعف فعلي في حماية حقوق كل من يعمل في منظومة سلسلة توريد الشركة.
في اليوم الذي أعلنت فيه شركة أمازون عن تسريح 16 ألف عامل حول العالم، لم يكن الحدث مجرد رقم جديد في موجة تقشف الشركات الرقمية الكبرى، بل جاء متزامناً مع مشهد سياسي واجتماعي بالغ الدلالة: جلسة استماع داخل البرلمان الأوروبي حول ظروف العمل في مستودعات أمازون، حيث واجهت الإدارة انتقادات قاسية من ممثلي العمال ونواب أوروبا بسبب تجاهلها لصحة العمال ولقواعد الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية.
هذا التزامن بين التسريحات من جهة، والاستجواب البرلماني من جهة أخرى، يضع أمازون في قلب سؤال أكبر:
هل تستطيع أوروبا فرض نموذجها الاجتماعي على عمالقة الاقتصاد الرقمي، أم أن شركات مثل أمازون باتت فوق القواعد؟
* أمازون: نموذج اقتصادي يقوم على الضغط والمراقبة
منذ سنوات، لم تعد أمازون مجرد منصة تجارة إلكترونية، بل تحولت إلى واحدة من أكبر أصحاب العمل في العالم، خصوصاً عبر شبكتها الضخمة من المستودعات ومراكز التوزيع.
لكن خلف السرعة القياسية للتوصيل و”كفاءة السوق”، يقف نموذج عمل يصفه النقابيون بأنه يقوم على:
مراقبة إلكترونية دائمة
ضغط إنتاجي متواصل
تقييم أداء لحظي
تقليص فترات الراحة
إرهاق جسدي ونفسي متصاعد
الانتهاكات والاتهامات بحقوق العمال
رغم ادعاءات أمازون بأنها “ملتزمة باحترام حقوق الإنسان والمعايير الدولية للعمل”، إلا أن سجلات الحقائق الموثّقة تظهر خلاف ذلك.
* من أبرز ما تواجهه الشركة من انتقادات على مستوى حقوق العمال:
1. ظروف العمل القاسية والمراقبة الرقمية
يشير عمال في مستودعات أمازون إلى أنهم يتعرضون لـ مراقبة مستمرة وأنظمة أداء قاسية تجعل العمل مرهقاً وضغطه مستمراً، وهو ما أثّر سلباً على صحتهم الجسدية والنفسية.
2. الإخفاق في احترام الحريات النقابية
رغم محاولات التنظيم في عدة دول، تواجه العمال تحديات كبيرة في تأسيس نقابات مستقلة أو الوصول إلى مفاوضات جماعية ذات معنى، سواء في الولايات المتحدة أو في أوروبا.
3. اتهامات بالاستغلال والتعاقد الفاسد
أظهرت تقارير من منظمات حقوقية، مثل أمنستي انترناشونال، حالات استغلال خطيرة للعمال المهاجرين في بعض مرافق أمازون عبر شركات تعاقد طرف ثالث، بما في ذلك حالات ارتبطت بالإتجار بالبشر.
4. خروقات في سلاسل التوريد
وقد لخّص أوليفر روتيغ، الأمين الإقليمي لـ UNI Europa، هذه الحقيقة أمام البرلمان الأوروبي حين أكد أن العمال في مستودعات أمازون يخضعون لـ”رقابة مستمرة وضغط أداء دائم” يهدد صحتهم وكرامتهم.
إن ما يجري ليس مجرد سوء إدارة، بل هو منطق اقتصادي يرى العامل كرقم داخل خوارزمية.
* تسريحات 16 ألف عامل: الأزمة ليست استثناءً بل جزء من النموذج
إعلان أمازون عن تسريح 16 ألف موظف اليوم يكشف أن حتى الشركات التي تحقق أرباحاً هائلة لا تتردد في التخلص من العمال عندما تقتضي مصالح السوق ذلك.
التسريح هنا ليس حدثاً عابراً، بل يعكس طبيعة الرأسمالية الرقمية الحديثة:
توسع سريع
أرباح ضخمة
ثم إعادة هيكلة على حساب العمال
دون التزام اجتماعي حقيقي
وبهذا المعنى، فإن أمازون تقدم مثالاً صارخاً على اقتصاد “المرونة القصوى”، حيث تصبح الوظيفة نفسها قابلة للإلغاء بقرار إداري من مركز عالمي بعيد.
البرلمان الأوروبي يدخل المواجهة: الديمقراطية في مواجهة الشركات العملاقة
الأكثر أهمية في هذه القضية هو أن جلسة البرلمان الأوروبي لم تكن تقنية فقط، بل كانت مواجهة سياسية بين:
*الديمقراطية الأوروبية وعملاق اقتصادي عابر للحدود
فأمازون، التي تجنبت الحوار مع البرلمان الأوروبي لمدة خمس سنوات، اضطرت أخيراً إلى إرسال مسؤول رفيع المستوى، ديفيد زابولسكي، نائب الرئيس الأول للشركة والمستشار القانوني العام.
لكن روتيغ عبّر بوضوح عن الشكوك:
“التزام أمازون بالمساءلة الديمقراطية لا يقل فتوراً عن التزامها برفاه العمال.”
وهنا تبرز المسألة الأساسية:
هل مشاركة أمازون في جلسة استماع تعني تغييراً حقيقياً؟
أم أنها مجرد محاولة لاحتواء الضغط السياسي؟
*ألمانيا مثال صارخ: أمازون ترفض التفاوض الجماعي
في قلب الانتقادات الأوروبية، تبرز قضية المفاوضة الجماعية.
فرغم وجود نقابة قوية مثل ver.di في ألمانيا، ما تزال أمازون ترفض توقيع اتفاقيات جماعية.
وقد قالت سيلكه تسيمر من قيادة ver.di
“المطلوب أكثر من مكالمة فيديو من سياتل… على أمازون الالتزام بالحوار الاجتماعي إذا أرادت العمل هنا.”
هذا التصريح يعكس جوهر النموذج الأوروبي:
لا شرعية اقتصادية دون شرعية اجتماعية.
لكن أمازون تمارس نموذجاً معاكساً يقوم على:
مقاومة النقابات
تفكيك التنظيم العمالي
الحفاظ على إدارة أحادية
استغلال ثغرات السوق الأوروبية
* أمازون والميزة غير العادلة: منافسة عبر خفض الحقوق
النقابات الأوروبية حذرت أيضاً من أن السماح لأمازون بتجاهل الاتفاقيات الجماعية والضرائب يمنحها ميزة تنافسية غير عادلة على حساب الشركات الأوروبية “الملتزمة”.
روتيغ قالها بوضوح:
“لا ينبغي أن تعني القدرة التنافسية الأوروبية إعطاء الأفضلية لشركات تحارب النقابات وتتجنب الضرائب.”
وهنا يصبح الصراع ليس فقط على ظروف العمل، بل على مستقبل الاقتصاد الأوروبي نفسه:
هل سيكون اقتصاداً قائماً على الحقوق؟
أم على سباق نحو القاع؟
* الاستنتاج: أوروبا أمام اختبار تاريخي
قضية أمازون ليست قضية شركة واحدة. إنها مرآة للتحول العالمي في طبيعة العمل:
من المصنع إلى الخوارزمية
من العقد الجماعي إلى الإدارة الرقمية
من الحقوق الاجتماعية إلى اقتصاد المراقبة
والسؤال المفتوح اليوم أمام البرلمان الأوروبي والحركة النقابية هو:
هل تستطيع أوروبا حماية نموذجها الاجتماعي؟
أم أن الرأسمالية الرقمية ستفرض منطقها على الديمقراطية؟
إن مواجهة أمازون ليست فقط دفاعاً عن عمال المستودعات، بل دفاع عن فكرة أن:
العمل ليس سلعة، والكرامة ليست خياراً، والديمقراطية لا تُدار من سياتل.
* انها قضية مستقبل العمل المنظم
إن المطلوب اليوم ليس مجرد جلسات استماع أو تصريحات، بل خطوات أوروبية واضحة:
فرض احترام المفاوضة الجماعية
إنهاء المراقبة المفرطة
حماية الصحة والسلامة المهنية
وقف التسريح كأداة إدارة
إخضاع الشركات الرقمية العملاقة للمساءلة الاجتماعية والضريبية
أمازون اليوم تقف في قفص الاتهام الأوروبي، لكن القضية أكبر منها:
إنها قضية مستقبل العمل في القرن الحادي والعشرين.