كندا والاتحاد الاوربي - من التبعية الى مبادرات مصالح


سامي المالح
2026 / 1 / 30 - 00:35     

بعد وضوح ملامح السياسات التي يتبعها ترامب، والتي يعبرعنها في تصريحاته وخطاباته المتكررة وآخرها خطابه في المنتدى الاقتصادي الاخير بدافوس، شاهدت السياسة الكندية والاتحاد الاوربي مبادرات غير عادية؛ التحرك للتخلص من التبعية للولايات المتحدة، اقتصاديا وأمنيا، والتركيز على الاستقلالية وتحقيق المصالح الاستراتيجية المشتركة.
رغم ان قادة كندا والاتحاد الاوربي والمملكة المتحدة، يؤكدون حرصهم على عدم قطع الروابط التاريخية مع الولايات المتحدة الامريكية، وبالملموس عدم إثارة واستفزاز الرئيس ترامب، بادروا الى إيجاد البدائل وتنويع العلاقات والانفتاح على الشرق وبالذات على الهند والصين.
الاتحاد الاوربي، بقيادة اورسولا فون درلاين، طور ووسع اتفاقاته التجارية الموقعة عام 2023 والتي بلغت قرابة مائة بليومن اورو، وذلك من خلال توقيع اكبر اتفاقية تجارة حرة لتعميق العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية، والتي اطلق عليها ام الاتفاقات، وهي تمثل25% من اجمالي الناتج المحلي العالمي وثلث التجارة العالمية. الاتفاقية تسعى في تخفيف الرسوم الجمركية وصولا الى الغائها، على الكثير من البضائع والصناعات والخدمات، التي تمس حياة ما يقارب مليارين من المواطنين. وحسبما اعلن الاتحاد الاوربي ، انه جرى الاتفاق على شراكة امنية ودفاعية مع الهند إستجابة لبيئة استراتيجية متزايدة التحديات، ولتعزيز التعاون بين الطرفين.
كما أن بكين، العاصمة الصينية، استقبلت رئيس وزراء كندا مارك كارني، وقبلها استقبلت الرئيس الفرنسي ماكرون، واستقبلت يوم 29 من الشهر الجاري رئيس الوزراء البريطاني كير ستراومر، وكما هو معلن ان يزورها المستشار الالماني فريدريتش ميترس قريبا. أكيد ان هذه الزيارات، اضافة الى انها رسالة واضحة للولايات المتحدة الامريكية مفادها ان ثمة إمكانات وبدائل لتحقيق المصالح المشتركة، فأنها تعد ايضا دخول مرحلة جديدة من علاقات، تجارية اقتصادية وامنية وتوقيع اتفاقات استراتيجية تحقق المصالح المشتركة، والتأكيد على إمكانية انهاء العصر الجليدي وتجاوز المشاكل المتعلقة بحقوق الانسان والتجسس.
عموما، الصين، وهي تراقب التأزم وزيادة عدم الثقة بين الولايات المتحدة وشركائها في اوربا وامريكا الشمالية والجنوبية، تؤكد بحكمة على دعم علاقات متكافئة ومبنية على مباديء التعاون والتحدي والتنافس، وبهدف استراتيجي هام وهو الحوار وتحقيق السلم العالمي.
الاتحاد الاوربي، كما شددت مسؤولة الخارجية كايا كالاس، يتوجه الى إنشاء "جيش موحد "، يضمن للاتحاد الدفاع عن النفس بأستقلالية والتخلص من الاعتماد على الولايات المتحدة الامريكية وقيادتها لحلف الناتو. ومن أجل ذلك اتفقت دول الاتحاد على زيادة ميزانياتها والانفاق على الامن والدفاع والصناعات العسكرية بنسب كبيرة جدا. وصل الانفاق في عام 2025 مستوى قياسي يقارب 381 مليار يورو.
وكذا الحال في كندا. رئيس الوزراء مارك كارني واضح جدا في طرحه لرؤية جديدة عن مستقبل العلاقات الدولية وإيجاد البدائل والإمكانات الكبيرة لإستثمارات هائلة تتيح لكندا والاتحاد الاوربي وغيرها من دول العالم ان تؤسس لعلاقات تعاون وتنافس، وأعتماد الحوار واحترام المصالح المشتركة، من دون تدخل في الشؤون الداخلية وفرض الإرادة والتهديد بالتفوق الاقتصادي والعسكري.
يقينا ان هذه المبادرات وهذا التحرك، في فترة زمنية قصيرة، لن تتوقف عند هذا الحد. فثمة ملفات كثيرة، من الحروب و الارهاب ومناطق التوتر، إضافة الى المشاكل الكونية المصيرية مثل البيئة والاحتباس الحراري والانبعاثات و انتشار الاسلحة النووية والطاقة والذكاء الاصطناعي، هي ملفات وقضايا ساخنة تستوجب المزيد من الاهتمام والمواقف والمبادرات والتعاون الدولي وتطوير العلاقات. وفي هذه المرحلة التي بدأت بحذر، لا يمكن التردد والرجوع الى وراء والبقاء في تبعية والرضوخ للاشتراطات والاملاءات والتخلي عن السيادة والمصالح الاستراتيجية.