إسرائيل ذهبت إلى أقصى الحدود لاستعادة جثمان ران غفيلي. فلماذا لا تمنح الموتى الفلسطينيين الاحترام نفسه؟
جدعون ليفي
2026 / 1 / 29 - 07:42
لدى إسرائيل أبطال من نوع لم نعرفه من قبل - جامعو الجثث: مئات الجنود، والحاخامات، وأخصائيي علم الأمراض، وأطباء الأسنان، جُندوا جميعا للعثور على رفات ران غفيلي في قطاع غزة. يقول طبيب الأسنان الذي تعرف إلى أسنان الأسير السابق: «كان هناك حماس جنوني». وإلى جانب الفرح المفهوم بالعثور على جثمانه، يستحيل تجاهل حالة الهوس بالموت التي اجتاحت إسرائيل.
ورغم أن المرء قد يتفهم أولئك الذين أصابهم «حماس جنوني» للعثور على الجثمان، فإن تجاهل الثمن الباهظ والمعيار المزدوج المحيطين بنبش وتدنيس رفات مئات الفلسطينيين بوحشية، في ما عُرف بأنه مهمة بطولية وطنية تحت اسم «عملية القلب الشجاع»، أمر مستحيل.
بل وأكثر من ذلك، إذا كانت إسرائيل تُعد قبل ذلك دولة فصل عنصري في تعاملها مع الأحياء الخاضعين لسيطرتها، فإنها في مقبرة البطش بمدينة غزة تكشفت كدولة فصل عنصري حتى تجاه الموتى: نظام تمييز يمتد إلى الهياكل العظمية.
الدولة التي اختطفت وما زالت تحتجز مئات الجثامين – بعضها مدفون، وبعضها محفوظ في الثلاجات لأشهر، بل ولسنوات – مستعدة لدفع أي ثمن مقابل استعادة جثمان واحد. من أجل استعادة رفات غفيلي، يُسمح للدولة بفعل أي شيء. وحدهم الإسرائيليون اليهود يحلمون بإعادة أحبائهم إلى إسرائيل لدفنهم، وكأن مئات الفلسطينيين الذين يحلمون بإعادة أحبائهم إلى فلسطين لدفنهم غير موجودين. حتى الموتى لا حقوق لهم. وسماسرة الجثث يواصلون الاحتفاظ بالجثامين كورقة مساومة في تجارة لن تنتهي.
موتى إسرائيل جميعهم عادوا، ومع ذلك تواصل الدولة مصادرة الجثامين والاحتفاظ بها «ليوم أسود». الثلاجات والمقابر ممتلئة عن آخرها بالموتى، ولكل واحد منهم آباء وأبناء يتوقون إلى منحه دفنا لائقا. لكن إسرائيل تصر: نحن فقط من نملك مشاعر. نحن فقط بشر.
يوم الثلاثاء، بينما كانت إسرائيل تحتفل بالعثور على جثمان آخر أسير، تحولت مقبرة البطش إلى سهل رملي. وفي الوقت نفسه، توجه أربعة شبان من سكان مدينة غزة إلى ما كان يوما مقبرة، بحثا عن جثامين أحبائهم. كان لكل واحد منهم ألمه الخاص: أحدهم كان يبحث عن قبر والده، والثاني عن قبر والدته، والثالث عن شقيقه، والرابع عن شقيقته.
قتل الجيش الإسرائيلي الأربعة جميعا: محمود لولو، وعبد القادر أبو خادر، وعبد الكريم غباين، ويوسف الرفيعي، وهو قاصر. وحتى يوم الأربعاء، لم يردّ المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي على سؤال صحيفة «هآرتس» بشأن سبب إطلاق النار عليهم حتى الموت. فقتل الأبرياء أيضا يُعد، في هذا السياق، ثمنا «مقبولا» للعثور على جثمان آخر أسير إسرائيلي.
لم يبق شيء من المقبرة التي دُفن فيها مئات الأشخاص. وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي لصحيفة «هآرتس» يوم الأربعاء: «أُعيد دفن جميع الجثامين في المنطقة نفسها باستخدام تربة جلبها الجيش الإسرائيلي. ولم تُترك أي جثامين على سطح الأرض».
بثت قناة الجزيرة يوم الأربعاء مقطعي فيديو صورهما سكان شجعان ذهبوا إلى المقبرة الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي بحثا عن بقايا قبور أقاربهم. يقول الرجل الذي يصور المشهد بصوت خافت، وهو يلهث باضطراب: «هنا جثة، وهنا جثة أخرى».
المشهد مفجع: يشير المصور إلى أكياس بلاستيكية ممزقة، يُفترض أنها تحتوي على بقايا بشرية، تتدحرج على الأرض. المنطقة الشاسعة مغطاة بالكامل بالرمال؛ لم يبقَ قبر واحد. وإذا كانت إسرائيل قد حرصت في النكبة الأولى عام 1948 على الحفاظ على المقابر، فإنه في نكبة غزة لم يبقَ حجر واحد قائما في مقبرة البطش. كيف سيتمكن الناس من العثور على قبور أحبائهم؟ وكيف سيعثرون على جثامينهم في الرمال؟
وفي مدينة الطيرة شمالي إسرائيل، ما زالت عائلة وليد دقة، الذي توفي في سجن إسرائيلي بعد 38 عاما من الاعتقال، تنتظر تسلم جثمانه. لقد انتظروا ما يقرب من عامين: زوجته سناء، وابنتهما ميلاد، وشقيقه أسعد؛ ينتظرون وينتظرون – بلا جدوى.