إسرائيل تحاول إعادة تكييف خطة ترامب وفق أطماعها


نهاد ابو غوش
2026 / 1 / 29 - 02:50     

نهاد أبو غوش

في أي إطار ممكن أن نفهم الدعم السياسي الأمريكي للجنة إدارة غزة (لجنة التكنوقراط)
- لا يمكن الوثوق بالمواقف والتصريحات الأميركية المتناقضة التي تقول الشيء وتفعل عكسه، يبدو أن ترامب مغرم بما تحدثه تصريحاته وتغريداته من انبهار وتفاعلات آنية في المدى القصير. فهذا الرئيس الذي يقود بلده والعالم من خلال تغريدات ملتبسة على منصته الخاصة "تروث سوشيال"، ويعتمد في إدارة أقوى دولة في العالم على مجموعة من المقربين الشخصيين والأصدقاء والقارب مثل صهره جاريد كوشنر، وزميله في لعبة الجولف ستيف ويتكوف، يكتفي بالاعلانات الصاخبة والخطوط العريضة ولا يهتم كثيرا بالتفاصيل، يحيل ملفات حساسة واستراتيجية لأصدقائه وأقاربه وليس إلى المستويات الرسمية والمهنية في إدارته. لذلك الدعم الأميركي حتى الآن هو مجرد دعم لفظي، الولايات المتحدة لم توفر للجنة الإدارية حتى مجرد الانتقال الآمن والكريم لغزة، فكيف ستمكنها من الاضطلاع بصلاحياتها في ضوء استمرار الخروفات الإسرائيلية، والأخطر استمرار تمسك حكومة اليمين الإسرائيلي بخيار تهجير الفلسطينيين وإعادة احتلال غزة والاستيطان فيها.
• ما مدى رغبة إسرائيل بنجاح تجربة هذه اللجنة في المرحلة المقبلة؟
- إسرائيل كما اختزلت المرحلة الأولى إلى قضية استعادة الأسرى فقط، وجعلت من استعادة الجثة الأخيرة للسير الجندي ران جفيلي ذريعة لتعطيل أي تقدم للمرحلة الثانية والتنصل من كافة الالتزامات التي تنص عليها المرحلة الأولى، تريد بطريقة مماثلة اختزال المرحلة الثانية إلى بند وحيد هو نزع سلاح المقاومة، بل تعمل على إعادة تكييف الخطة على مقاس أطماعها وشروطها الأمنية وهي في ذلك تستفيد إلى أقصى درجة من ثلاثة عوامل متداخلة: وهي الدعم الأميركي المطلق بل والتطابق في أهداف الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك من تباطؤ الإدارة الأميركية وترددها في حسم موضوعات أساسية من خطة ترامب كالتأخر لأكثر من ثلاثة اشهر في تشكيل مجلس السلام، وعدم تشكيل قوة حفظ الاستقرار علاوة على استمرار غموض تكوينها ومركباتها إلى الدرجة التي تشكك فيها دولة الاحتلال في إمكانية تشكيلها وفي نجاحها حال تشكيلها، والعامل الثالث هو الغموض المتعمد والمقصود في العديدمن بنود خطة السلام المنسوبة لترامب، هذا الغموض يحمل بصمات نتنياهو ولمساته، وهو متعمد لجعل الحقوق الفلسطينية مشروطة بشروط تعجيزية، ولجعل الالتزامات الإسرائيلية عائمة ومبهمة. ولذلك هي تريد من كل الأجسام – وخاصة قوة حفظ الاستقرار- أن تساعدها في تنفيذ هذه المهمة، كما أنها تعمل على تكريس معادلة مفادها أن الالتزامات مطلوبة من الفلسطينيين فقط، بينما حقوق الفلسطينيين مربوطة بشروط تعجيزية، يمكن لإسرائيل أن تتعامل بشكل انتهازي مع اللجنة ولكن اي علاقة لها أو لي من أعضائها مع السلطة أو حماس ستعتبره مبررا للتدخل وغفشال دور اللجنة ومهامها.
• هل يمكن أن تتحول هذه اللجنة كجسم بديل لعنوان سياسي فلسطيني مستقبلا
في المدى المنظور يبدو احتمال خلق جسم بديل صعبا وغير واقعي، لكن استمرار الانقسام والتبدلات الدراماتيكية الحاصلة في النظام الدولي وانعكاساته على الإقليم يمكن لها أن تجعل هذا الخيار واقعيا، على مدى العقود الخمسة الماضية كانت فلسطين ممثلة بمنظمة التحرير حاضرة ومؤثرة في كل ما له علاقة بالشأن الفلسطيني، ولكن في كل سياق حرب الإبادة، والمفاوضات التي جرت بشأنها غُيّبت منظمة التحرير حتى عن الاجتماعات العربية التي ناقشت الشأن الفلسطيني، وغُيّبت فعليا عن مداولات شرم الشيخ ومجلس السلام، والاستراتيجية الإسرائيلية واضحة ومعلنة بهذا الشأن: عدم الاعتراف بالشعب الفلسطيني ورفض وجود اي جسم موحد يمثل الشعب الفلسطيني، وبالتالي التعامل مع الفلسطينيين كمجموعات سكانية وعشائر وتجمعات مناطقية لها حقوق معيشية وإنسانية، وليس مع شعب له حقوق وطنية وسياسية أهمها حق تقرير المصير. وهذه المقاربة هي جوهر مشروع صفقة القرن الذي تبناه الرئيس دونالد ترامب خلال ولايته الأولى، وهي جوهر كل المقاربات والخطط التي يطرحها اليمين الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين سواء في الضفة أو غزة.
إلى جانب كل ما سبق والى جانب المشكلات القائمة في جوهر خطة الرئيس ترامب وسطوته الشخصية على كل التشكيلات المرتبطة بها من مجلس سلام إلى هيئة تنفيذية وقوة حفظ استقرار، فإن احتمالات انقلاب إسرائيل على الخطة وتجميد كل شيء ما زالت قائمة وبخاصة في حال التصعيد الإقليمي مع إيران أو غيرها، وكذلك في حال الانعطاف نحو الشأن الداخلي الإسرائيلي والتوجه نحو انتخابات مبكرة.
*من مقابلة مطولة مع مركز رؤية للدراسات - استانبول