تهديدات سافايا… لماذا يراها العراقيون ابتزازًا لا سياسة


ليث الجادر
2026 / 1 / 28 - 22:15     

يُظهر تتبّع تصريحات وتغريدات مبعوثي دونالد ترامب، ومنهم سافايا كما يُتداول إعلاميًا، أنّ الخطاب المتشدّد لا يعمل بوصفه إعلان نية سياسية أو مقدّمة لقرار استراتيجي، بقدر ما يُستخدم كأداة ضغط تفاوضي مرنة. فالنمطية اللغوية، والتكرار شبه الحرفي للتهديدات، والتباعد الزمني غير المتّسق بينها، مع غياب أي تصعيد تراكمي أو انتقال من القول إلى الفعل، تكشف أنّنا أمام خطاب مُصمَّم لإدارة مناخ ضغط نفسي وإعلامي، لا لفرض وقائع جديدة على الأرض.
هذا النمط لا يندرج ضمن تقاليد الردع الكلاسيكي، حيث تكون التهديدات محدّدة السقف، مرتبطة بآليات تنفيذ، ومسنودة بإرادة سياسية واضحة، بل ينتمي إلى منطق صفَقي يرى السياسة ساحة مساومة مفتوحة. في هذا الإطار، تُستخدم اللغة القصوى لرفع سقف التفاوض، لا لفتح مواجهة حاسمة، ويغدو التهديد ذاته أداة قائمة بذاتها، لا مرحلة تمهيدية لقرار لاحق. هكذا يتحوّل الخطاب من وسيلة إلى غاية، ومن إعلان قوة إلى تعويض عن غيابها.
ينسجم هذا الأسلوب مع العقلية الترامبية التي خلطت بين منطق الدولة ومنطق الصفقة، حيث تُدار السياسة الخارجية كما تُدار المفاوضات التجارية: تهويل أولي، ضغط إعلامي، ثم انتظار تنازل ما يمكن تسويقه لاحقًا بوصفه «نصرًا». ضمن هذا المنطق، لا تُقاس جدّية التهديد بمدى قابليته للتنفيذ، بل بقدرته على إرباك الخصم ورفع كلفة رفضه.
داخل السياق العراقي، لم يُستقبل خطاب سافايا بوصفه تعبيرًا عن إرادة أمريكية جادّة أو استراتيجية متماسكة، بل أثار تحفّظات واضحة في الرأي العام. فقد جرى تلقّيه خارج إطاره الدبلوماسي المعلن، وفسِّر شعبيًا وسياسيًا بوصفه محاولة لرفع سقف الابتزاز السياسي تمهيدًا لتحويله إلى ابتزاز مالي. هذا التفسير لم يأتِ من فراغ، بل من تراكم تجربة عراقية طويلة مع ضغوط خارجية كثيفة الكلام، محدودة الفعل، كثيرًا ما انتهت بمقايضات لا بحلول.
من هنا، برز توصيف ما يجري بوصفه جزءًا من ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد التهديد»، حيث تُستثمر المخاوف السياسية، والغموض الاستراتيجي، واحتمالات العقوبات، لإنتاج مكاسب تفاوضية أو مالية، سواء عبر صفقات غير مباشرة أو عبر فرض أثمان سياسية دون خوض مواجهة مفتوحة. في هذا الاقتصاد، يصبح التهديد سلعة سياسية، قابلة للتكرار وإعادة التسويق، ما دامت تُنتج ضغطًا دون أن تُلزم صاحبها بكلفة تنفيذ.
الأثر الأخطر لهذا النمط لا يكمن في احتمال تحقّقه، بل في وظيفته التخريبية. فهو يساهم في إدامة حالة اللايقين، ويعطّل إمكان بناء موقف سياسي عقلاني، سواء بالاستجابة أو بالرفض. إذ لا يدفع الدولة نحو قرار سيادي واضح، بل يُبقيها معلّقة داخل مساحة رمادية، تُدار فيها السياسة بالخوف لا بالحسابات، وبالترقّب لا بالفعل.
لهذا، تآكلت مصداقية هذا الخطاب سريعًا داخل المجال العراقي، وتحول من عنصر ردع مفترض إلى مادة تشكيك وسخرية. فحين تتكرّر التهديدات دون نتائج ملموسة، يصبح الكلام ذاته علامة ضعف لا قوة، ويغدو الابتزاز مكشوفًا، محدود الأثر، وربما عكسيًا في نتائجه.
خلاصة القول، إن تهديدات سافايا لا تُقرأ في العراق بوصفها سياسة متكاملة، بل كضغط بلا قرار، وتهويل بلا إرادة حسم. وفي بيئة خبرت هذا النمط مرارًا، لم يعد الخطاب العالي النبرة كافيًا لإنتاج الهيبة، بل بات يُستقبل كابتزاز سياسي مكشوف، يفتقر إلى ما يمنحه معنى السياسة أو جدّية الدولة.