العراق بين وهم المواجهة وحقيقة الحروب الحديثة
حسن صالح الشنكالي
2026 / 1 / 28 - 16:48
في العراق اليوم، حيث الدستور ينص على دولة ديمقراطية وبرلمان منتخب من الشعب، لذا يصبح من حقّ كل مواطن أن يُعبّر عن رأيه في مسار الدولة ومَن يحكمها. ومع ذلك، فإن هذا الحق يجب أن يقترن بفهم عميق لطبيعة النظام الدولي وتوازن القوى، وإدراك أن حماية الدولة وتقدّمها لا تتحقق بالشعارات أو الاستعراضات، ولا بكثرة الجيوش، بل بالسياسات الواقعية التي تراعي مصالح الشعب وسيادة الدولة.
لقد تغيّر مفهوم الحرب جذرياً. وما زالت الذاكرة العراقية تحتفظ بتلك اللحظة الرمزية حين دعا (طه ياسين رمضان) الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن إلى “المصارعة” مع صدام حسين، وكأن الصراع بين الدول يُحسم بالقوة الجسدية أو باستعراض الفحولة السياسية. لم تكن تلك الدعوة مجرّد زلّة لسان، بل تعبيراً صريحاً عن عقلية سياسية كانت تتخيّل أن المعارك تُدار بالمصارعة، أو بالسيف والرمح، أو حتى بالطائرات والدبابات والجنود.
غير أن الواقع الدولي تجاوز هذه التصوّرات منذ زمن. فالحروب الحديثة لا تُخاض بهذه الأدوات وحدها، بل قد لا تُخاض بها أصلاً . في عالم اليوم، تُدار المعارك بالاقتصاد قبل السلاح: بانهيار العملات، وفرض العقوبات، وتجفيف الموارد، والتحكّم بالأسواق والطاقة، وكذلك خلق الصراعات الداخلية، واستنزاف الدول من داخلها. كما تُدار عبر تفكيك البنى الاجتماعية، واصطياد القيادات المزعجة، واستخدام الحروب بالوكالة بدل المواجهة المباشرة.
فالولايات المتحدة، اليوم ومعها القوى الكبرى، لم تعد بحاجة إلى إرسال جيوشها كما في السابق؛ أدواتها اليوم أكثر تطوراً، أقل كلفة، وأشد أثراً.
لقد كان العراق، خلال العقود الماضية، ضحية عقلية سياسية قروية وقبلية متضخّمة بالوهم، دخلت في مواجهة غير محسوبة مع الناتو وحلفائه، فدفعت البلاد ثمناً باهظاً. ولم تكن نتائج تلك العقلية حروباً عابرة، بل مساراً طويلاً من الحصار، والاستنزاف الاقتصادي، والانهيار المؤسسي، والتفكك الاجتماعي، جعل العراق يعيش عقوداً من الأزمات المتراكمة.
والمفارقة المؤلمة أن الساسة العراقيين الجدد بعد عام 2003 أعادوا إنتاج الذهنية نفسها، وإن غيّروا الشعارات والواجهات. ما زال بعضهم يتعامل مع الدولة بعقلية التحدي الخطابي، ويخلط بين السيادة والاستعراض، وبين الاستقلال والمغامرة، غير مدركين أن الدولة لا تُدار بالعاطفة، ولا تُحمى بالشعارات، بل تُبنى بالفهم الدقيق لموازين القوى والمصالح المتبادلة.
إن تجاهل تحوّلات النظام الدولي، أو إنكار أدوات الصراع الجديدة، لا يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة والانهيار. فالدولة التي لا تفهم كيف تُدار الحروب في عصر الاقتصاد والعقوبات والأسواق المفتوحة، محكوم عليها بدفع أثمان مضاعفة، وشعبها هو من يتحمّل الكلفة دائماً.
من هنا، فإن خلاص العراق لا يكون إلا بوجود رجل دولة وطني مستقل، لا يدين بالولاء لأي دولة، ولا يَرتهن لمحاور خارجية، يحارب الفساد بلا انتقائية، ويعمل بجدّ على ترميم التماسك الداخلي، ويدير الدولة بعقلٍ بارد يراعي توازنات القوى الدولية، ويضع حقوق المواطنين وسيادة الدولة فوق كل اعتبار.
إن العراق لا يحتاج إلى “قائد يتحدّى العالم”، بل إلى رجل دولة مدني يعرف كيف يحمي شعبه من كلفة التحدي، وكيف يُخرج البلاد من دوّامة الصراعات العبثية إلى أفق الاستقرار والتنمية، ويؤسس لإدارة عادلة تحترم القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان