ميركل: العلم، السياسة، والإنسانية في قيادة واحدة


محسن عزالدين البكري
2026 / 1 / 28 - 15:47     

تداولت بعض المنصات في الآونة الأخيرة أخبارًا غير صحيحة عن وفاة المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل. والحقيقة المؤكدة أن ميركل لا تزال على قيد الحياة، وقد اعتزلت العمل السياسي منذ عام 2021 بعد مسيرة امتدت ستة عشر عامًا في قيادة ألمانيا. غير أن هذه الشائعة، رغم زيفها، تفتح الباب لاستحضار سيرة واحدة من أكثر الشخصيات السياسية تأثيرًا في أوروبا والعالم المعاصر، لا بوصفها خبرًا عابرًا، بل باعتبارها تجربة إنسانية وسياسية تُقرأ وتُفهم.
وحين تسقط الشائعة في امتحان الحقيقة، يظل الحديث عن ميركل نافذة لفهم ما تعنيه الوحدة الحقيقية، وكيف يمكن أن تثمر القيادة الواعية. فبعض الشخصيات لا تحتاج إلى موت كي تُستعاد، ولا إلى مأساة كي تُكتب؛ يكفي أن نضع سيرتها تحت ضوء هادئ لنرى كيف يمكن للعلم والسياسة والأخلاق أن يتضافروا ليتركوا أثرًا يتجاوز الحدود والزمن.
أنجيلا دوروتيا ميركل، وُلدت في 17 يوليو 1954 في مدينة هامبورغ ونشأت في ألمانيا الشرقية. درست الفيزياء، وحصلت على درجة الدكتوراه في الكيمياء الفيزيائية، وعملت باحثة في أكاديمية العلوم في برلين الشرقية حتى مرحلة ما قبل الوحدة الألمانية. هذا الأصل الشرقي شكل نقطة قوة، لأنه أتاح لها فهم واقع مجتمع كان أكثر فقراً واشتراكية، لكنه تم دمجه لاحقًا في الدولة الموحدة بطريقة عادلة، عبر استثمارات وسياسات أعادت التوازن بين الشرق والغرب، دون أن يُهمّش أحد أو يُستبعد، بما مكّن المواطنين الشرقيين من المشاركة الكاملة في الاقتصاد والسياسة.
وتكمن المفارقة التاريخية هنا في أن الوحدة الألمانية تحققت عام 1990، تقريبًا في نفس الوقت الذي أُعلنت فيه وحدة اليمن. في ألمانيا، تم دمج الشرق والغرب بشكل متساوٍ، مع الحفاظ على العدالة السياسية والاقتصادية لكل طرف، ومنح الجميع فرصًا متكافئة للنهوض والازدهار. أما في اليمن، فقد أصبح الجنوب وموارده فيئا ونهبًا، وسادت عقلية الإقصاء والفقر، وتدخلت مظلة بعض الفتاوى الدينية في تثبيت هذا التهميش، ما جعل الوحدة غير ناجحة من منظور المساواة والشراكة.
دخلت ميركل عالم السياسة عقب سقوط جدار برلين عام 1989، وانضمت إلى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي. تدرجت سريعًا في المناصب، فشغلت منصب وزيرة البيئة وحماية الطبيعة في التسعينيات، ثم انتُخبت عام 2000 رئيسة للحزب، لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب، وفي عام 2005، أصبحت أول امرأة مستشارة لألمانيا.
خلال سنوات حكمها، قادت ميركل ألمانيا عبر محطات مفصلية وصعبة: من الأزمة المالية العالمية 2008، إلى أزمات الديون الأوروبية، وصولًا إلى جائحة كورونا، وأسهمت في ترسيخ مكانة ألمانيا كقوة اقتصادية وسياسية محورية في أوروبا.
أما على الصعيد الإنساني، فقد ارتبط اسم ميركل بمواقفها التي وضعت حياة الناس وكرامتهم في القلب. أبرزها استقبال مئات الآلاف من اللاجئين السوريين عام 2015، وفتح أبواب ألمانيا لهم رغم أن مكة كانت أقرب جغرافيًا، ما جسد الروح الإنسانية والرحمة بلا حدود. وكذلك قرارها التاريخي بإغلاق محطات الطاقة النووية بعد كارثة فوكوشيما: لم يكن مجرد خطوة سياسية أو اقتصادية، بل اختيارًا ينبض بالسلام والحب للعالم. لقد تخلت ميركل عن إنتاج كهرباء ضخم يمكن أن يوفر تكاليف اقتصادية هائلة، وعن امتلاك قوة نووية قد تتحول بين لحظة وأخرى إلى سلاح، فقط لأنها اختارت الصدق والإنسانية وحق الحياة فوق كل اعتبار، مؤكدة أن القيادة الحقيقية تقاس بالمحبة والسلام، لا بالمنافع الاقتصادية أو القوة.
وبعيدًا عن الشائعات، من المهم التنبيه إلى أن ميركل لم تترك السياسة لتكون مسرحًا للشائعات أو الانفعالات، بل وضعت العقل والإنسانية في قلب القرار السياسي. التاريخ لا يُكتب بالاقتباسات الملفّقة، بل بالسياسات، وبما تتركه من أثر طويل المدى.
وفي نهاية المطاف، وبعد كل هذه الإنجازات العظيمة، عادت ميركل إلى شقة بسيطة، وابتعدت عن الأضواء بكل سلام وهدوء، تعيش حياتها بعيدًا عن الجشع أو الاستغلال، بينما في بعض الأماكن الأخرى، بمجرد وصول من يُمنح السلطة، تتحوّل الموارد العامة إلى مصدر للنهب، ويُمجَّد الأشخاص بلا إنجاز حقيقي. ميركل، رغم كل ما أنجزته، لم تصبح صنمًا يُقدَّس، لكنها جعلت من الإنسانية والعدل معيارًا للقيادة، وهي بذلك أعطت العالم درسًا نادرًا في التواضع والصدق والشجاعة.
....
..
تحياتي: محسن عزالدين البكري