دفاعا عن المادية الجدلية
سامر بن عبد السلام
2026 / 1 / 28 - 03:22
حدثني صديق سلفي، في سياق نقده للماركسية، إن الماركسية تقول إن مخّ الإنسان وبدنه ليسا إلا مادة و«ذرات عمياء لا تفكر»، وأن مكونات الإنسان ومكونات دماغه هي نفسها مكونات الكرسي أو شعر ماركس. ثم يضيف أن الماركسية تتحدث عن حتمية تاريخية وفيزيائية، دون أن تدرك — في رأيه — أنها بذلك تقع في تناقض تأسيسي عظيم يسقط كل قدرات الإنسان ومصداقيته العلمية والسياسية والتنظيرية. فحسب هذا التصور، الإنسان ليس إلا تجمعًا من الذرات والخلايا في الدماغ والجسد (بما أن ماركس ولينين لا يؤمنان بالروح)، وهذه الذرات تحكمها قوانين فيزيائية عمياء، غير واعية، ومحايدة قيميًا وأخلاقيًا، وأن تفاعل هذه الذرات هو ما يعطي الإنسان مجرد “شعور” بوجود فكرة في نفسه.
ينطلق هذا الاعتراض من فرضية أن الماركسية تختزل الإنسان إلى «ذرات عمياء»، وكأنها تقول إن الدماغ لا يختلف في طبيعته عن أي جسم جامد. لكن هذا ليس موقف الماركسية أصلًا. ماركس لا يفسّر الوعي انطلاقًا من التركيب الفيزيائي للدماغ، بل انطلاقًا من الوجود الاجتماعي والتاريخي للإنسان. لذلك يقول بوضوح: «ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم».
ما لا يفهمه صاحب هذا الاعتراض هو أن المادة في الماركسية ليست مادة جامدة أو ساكنة كما يتصورها، وهو بذلك يكشف جهله بطبيعة المادية الجدلية. فهو يتعامل مع “المادية” كأنها فكر واحد بسيط ومنسجم، بينما هي مدارس متعددة، والماركسية منها مدرسة شديدة الخصوصية. نحن لا نفكر وفق فكرة “ذرات عمياء” منفصلة، بل وفق العلاقات الجدلية التي تنتظم هذه العناصر المادية مع بعضها. فبنفس المكوّنات يمكن أن نجد في مستوى من التنظيم كرسيًا، وفي مستوى آخر بابًا، وفي مستوى أعلى جهازًا حيًا، وفي مستوى أرقى دماغًا مفكرًا. الاختلاف ليس في الذرات، بل في نمط تنظيمها والعلاقات الجدلية التي تربطها. وإنجلز يوضّح أن المادة عندما تبلغ درجة معينة من التعقيد تُنتج خصائص جديدة نوعيًا مثل الإحساس والفكر. إذن الماركسية لا تقول إن «الذرات تفكر»، بل تقول إن المادة عبر تاريخها الطبيعي والاجتماعي بلغت شكلًا أصبح فيه التفكير ممكنًا.
ثم ينتقل الاعتراض إلى القول إن الدماغ، مهما بلغ تعقيده، يظل خاضعًا لقوانين فيزيائية عمياء، وبالتالي فإن كل فكرة ليست إلا نتيجة حتمية لهذه القوانين. وهنا يقع الخلط الأكبر بين المستوى الفيزيائي للمادة والمستوى الذي تعمل فيه الظواهر الفكرية. إنجلز يرفض هذا الاختزال حين يؤكد أن لكل مستوى من مستويات تطور المادة قوانينه الخاصة التي لا يمكن ردّها إلى قوانين المستوى الأدنى. فالكيمياء لا تُختزل في الميكانيك، والحياة لا تُختزل في الكيمياء، وكذلك الفكر لا يُختزل في الفيزياء. صحيح أن الفكر يتم بواسطة الدماغ، لكن قوانين اشتغاله ليست قوانين الذرات، بل قوانين منطقية ولغوية واجتماعية تاريخية، ولذلك لا يمكن الحكم على صدق الأفكار أو بطلانها انطلاقًا من كون الدماغ خاضعًا للفيزياء.
بعد ذلك يأتي الاعتراض الأخطر: إذا كانت أفكارك نتيجة حتمية مادية، فلا يمكن اعتبارها مصدرًا للحقيقة. من منظور ماركسي، يمكن الرد على هذه الحجة بالتركيز على جوهر المادية الجدلية، التي لا ترى الأفكار كنتيجة "حتمية ميكانيكية" سلبية أو عشوائية، بل كانعكاس نشط وجدلي للواقع المادي من خلال الممارسة البشرية. دعني أوضح ذلك خطوة بخطوة:
أولاً، الماركسية لا تقبل بالمادية التبسيطية أو "الحتمية المادية" كما يُفهمها النقاد البرجوازيون أو المثاليون. كارل ماركس وفريدريك إنجلز، في أعمالهما مثل "الأيديولوجيا الألمانية" و"الديالكتيك المادي"، يؤكدان أن "الوجود الاجتماعي يحدد الوعي"، لكن هذا ليس حتمية جامدة. الأفكار تنشأ من التفاعل الجدلي بين الإنسان والطبيعة، والعلاقات الإنتاجية، والصراع الطبقي. إنها ليست مجرد "نتيجة" آلية، بل هي جزء من عملية ديناميكية حيث يغير الإنسان الواقع، ويغير الواقع الإنسان بدوره.
ثانياً، الحقيقة ليست شيئاً مجرداً أو مثالياً يقف خارج المادة، بل هي ما يُثبت نفسه بالممارسة. كما قال ماركس في أطروحاته الثانية عن فيورباخ: "السؤال عن ما إذا كانت الحقيقة الموضوعية يمكن أن تُنسب إلى الفكر البشري ليس سؤالاً نظرياً، بل سؤالاً عملياً. يجب على الإنسان أن يثبت حقيقة تفكيره، أي واقعيته وقوته، في الممارسة". إذا كانت الأفكار "نتيجة مادية"، فهي بالضبط ما يجعلها مصدراً للحقيقة، لأنها تُختبر وتُصحح من خلال التجربة الاجتماعية والعلمية. على سبيل المثال، العلوم الطبيعية (مثل الفيزياء أو البيولوجيا) تنشأ من تفاعلنا مع الطبيعة المادية، وتُثبت صحتها بنجاحها في تغيير الواقع – مثل الثورة الصناعية أو التقدم الطبي.
ثالثاً، الحجة التي تقول إن الأفكار المادية لا يمكن الثقة بها هي في جوهرها حجة مثالية برجوازية، تهدف إلى فصل الفكر عن الواقع لتبرير الاستغلال الطبقي. في المجتمع الرأسمالي، يُشوه الوعي الطبقي الأفكار (مثل الأيديولوجيا الليبرالية التي ترى "الحرية" كحق فردي مجرد)، لكن الماركسية تكشف ذلك من خلال التحليل المادي. الحقيقة ليست "ذاتية" أو "غير موثوقة" بسبب أصلها المادي؛ بل على العكس، الأفكار المثالية (مثل الدين أو الفلسفة الميتافيزيقية) هي التي تكون غير موثوقة لأنها منفصلة عن الممارسة وتخدم مصالح الطبقات الحاكمة.
في النهاية، إذا كانت الأفكار نتيجة للواقع المادي، فهذا يجعلها أكثر مصداقية، لا أقل. الماركسية تدعو إلى اختبار الأفكار بالثورة الاجتماعية والعلم، لا بالتأمل المجرد. هذا الرد ليس دفاعاً عن "الحتمية"، بل عن الجدلية التي ترى الإنسان فاعلاً في تاريخه، لا مجرد نتيجة.
وأخيرًا يصل الاعتراض إلى اعتبار هذا كله تناقضًا تأسيسيًا يسقط النظرية. لكن لوكاتش يبيّن أن الوعي ليس حالة داخل الرأس، بل علاقة تاريخية بين الإنسان والعالم. الماركسية لا تبدأ من عقل فردي داخل الجمجمة، بل من إنسان يعيش داخل شبكة من العمل واللغة والعلاقات الاجتماعية. لذلك فإن اختزال الفكر إلى ذرات هو افتراض غريب تمامًا عن الفهم الماركسي. الوعي ظاهرة مادية تاريخية اجتماعية، تتصحّح فيها الأفكار عبر الصراع والممارسة، وليس نتيجة حتمية مغلقة. ومن ثم لا يوجد أي تناقض تأسيسي في الماركسية، بل يوجد سوء فهم لطبيعتها الجدلية من قبل امثال هذا الشاب الذي لا يطالع المراجع الماركسية و يسمح لنفسه بنقدها.