التبعية الاقتصادية واعاقة السيادة النقدية (2-3)


محمود محمد ياسين
2026 / 1 / 27 - 18:43     

في هذا الجزء من المقال نعطى تفسيرا لوضع الدينار الكويتي كواحد من اقوى العملات العالمية في دولة تابعة لم تتحقق فيها التنمية الشاملة؛ بالإضافة لمقارنة بين الدينار الكويتي والفرنك CFA

عملة قوية ولا تنمية

في هذا العالم المترابطة اجزاؤه فان قيمة سعر صرف العملة تعبر عن موقع محدد لها داخل تقسيم العمل الدولي، فمثلا نجد ان سعر الصرف في الدول ذات الريع النفطي المرتفع تتميز بقوة عملاتها نتيجة لهذا الترابط. وهذا يمثل مفارقة واضحة بالنظر لوضع الدول الفقيرة الاخرى التي تعانى من التدهور المتواصل في عملاتها المحلية، وحتى تلك الدول بينها التي تتسم باستقرار عملاتها، الا انه استقرار في القاع، أي بقاء سعر صرف العملات منخفض (كما نرى لاحقا عند استعراض وضع الفرنك الأفريقي "CFA" لاحقا).

ان الدول البترولية تمنح مداخيلها العالية من مبيعات تصدير النفط الدعم الاستثنائي لعملاتها المحلية. لكن رغما عن سعر قوة عملات الدول ذات الريع النفطي المرتفع، الا ان الهيمنة الخارجية ،التي ترسم نهج تقسيم العمل الدولي، يفرض عليها مسارا اقتصاديا يمنع تنميتها الشاملة بالصورة التي تخدم مصالح الدول الرأسمالية الكبرى. فمثلا نجد الدينار الكويتي، رغم كونه من أقوى العملات عالميًا (بالتعريف او المعنى الاسمي للصرف، وليس على أساس تعريف آخر "كالقوة الشرائية أو كعملة احتياط")، الا انه لا يعكس بنية إنتاجية صناعية أو قدرة تنافسية تكنولوجية، وإنما يعكس نمط تراكم قائم على إعادة تدوير أموال النفط الريعية داخل النظام الرأسمالي العالمي. وبهذا المعنى، تمثل قوة الدينار آلية استقرار داخل اقتصاد تابع، لا أداة تحوّل تاريخي. فالتراكم هنا يتم خارج منطق التصنيع والتكامل الإنتاجي، ويظل مشروطًا باستمرار الاندماج الوظيفي في السوق العالمي، الأمر الذي يحدّ بنيويًا من إمكان الانتقال إلى تنمية مستقلة أو خطة جادة للتخلص من الهيمنة الخارجية بفك ارتباط فعلي.

ان الكويت تتبع سياسات نقدية صارمة وتحتفظ باحتياطيات مالية ضخمة، ولكنها لا تعكس بالضرورة حيوية أو تنوع في الاقتصاد الكلي، فهذه الثروة لم تؤد إلى نمو اقتصادي متنوع يتجاوز الاعتماد على النفط. فالصراعات بين القوى المتنفذة اجتماعيا وسياسيا والبيروقراطية التي تقوم بإدارة الحكم أدت إلى حالة من الوضع السياسي المتسم بالجمود الذى لا يتسبب فقط في عرقلة توجيه الأموال في اتجاه نشاطات اقتصادية حيوية تشمل خطط التنمية طويلة الأجل، بل في وجود بيئة استثمارية صعبة لا تحفز المستثمرين للاستثمار في القطاع الخاص الذى تسيطر عليه قوى اجتماعية (عائلية).

ان قوة الدينار الكويتي لا تعني بالضرورة سيادة اقتصادية، بل يعكس وضع دولة تابعة نشاطها الاقتصادي مرتبط بسوق النفط العالمية، وان قوة النقد ترجع للريع النفطي الذى لا يستخدم في تنمية قوى الإنتاج المحلية، بل لضمان استقرار النظام الاجتماعي والسياسي المحافظ، ولخدمة التراكم الرأسمالي العالمي.

سعر صرف مستقر في القاع

ان حالة استقرار العملة المصحوب بضعفها تقدمه عملة الفرنك CFA. الفرنك CFA نظام نقدى يشمل 14 دولة منضوية تحت اتحادين نقديين: الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا (WAEMU) ويضم دول بنين وبوركينا فاسو وساحل العاج وغينيا بيساو ومالي والنيجر والسنغال وتوغو؛ والاتحاد الاقتصادي والنقدي لوسط أفريقيا (CAEMC) ويضم الكاميرون، جمهورية أفريقيا الوسطى، تشاد، جمهورية الكونغو، غينيا الاستوائية، والغابون.

والفرنك CFA مربوط باليورو (سابقًا بالفرنك الفرنسي)، عبر آلية ثبات/ضمان. فالخزانة الفرنسية تضمن هذا الربط، وتتحكم عمليًا في سياسة سعر الصرف والاحتياطات.

• وهكذا، فعبر حرمانها من الإدارة المستقلة للنقد عبر ربطها (pegging) بالعملات الكبرى، فان الدول الرأسمالية الاستعمارية تستطيع الإبقاء الشكلي على تثبيت سعر الصرف (واستقراره)، وبهذا تصبح السياسة النقدية للدول الفقيرة مقيدة بحيث لا يمكن استخدامها كأداة للتنمية وتحول هذه الدول لكيانات مسلوبة السيادة محصورا دورها في التخصص في تصدير الفائض (السيولة) المنتجة محليا. وبالتالي فان هذا الوضع، الذى يتميز بضعف إعادة استثمار الفائض المالي محليا، يعمل على اضعاف العملة ويبقيها مستقرة في حالة مزمنة من الضعف؛ ان الفرنك CFA ظلت عملة ضعيفة (نسبيًا) مقارنة بالعملات العالمية الكبرى.

ان الفرنك CFA ليس مجرد وحدة حسابية وطنية، بل آلية مؤسسية، وربطه مباشرة باليورو والخزانة الفرنسية وليس بالاقتصاد المحلى، يجعل فرنسا تتحكم في السياسة النقدية الوطنية للدول في غرب إفريقيا وبعض دول أفريقيا جنوب الصحراء، عبر قواعد التحويل والاحتياطيات. وهكذا، ففي نظام الفرنك CFA تتحول العملة من كونها رمزًا سياديًا للدولة إلى موقع يربطها بنيويا (structurally) داخل شبكة التبعية العالمية.

بهذا، يصبح سعر الصرف ليس تعبيرًا عن قوة الإنتاج الوطني أو القدرة التنافسية المحلية، بل تعبيرًا عن موقع هذه الدول في التقسيم الدولي للعمل، حيث تُنقل الفوائض نحو المركز ويتم تحجيم إمكانيات التمويل
التنموي الذاتي، فتتحول العملة إلى أداة تعيد إنتاج التبعية.

المفارقة في سعر صرف عملتي الدينار الكويتي والفرنك CFA

ان تجربتي الدينار الكويتي والفرنك CFA تُظهر الحالة التي تكون فيها قوة العملة كما في ضعفها ترجع للتبعية؛ فقوة العملة قد لا تعني بالضرورة سيادة اقتصادية. فالدينار الكويتي، رغم قوته الظاهرية، يُعبر عن تبعية مُعقّدة ذات ديناميات دقيقة (subtle) مرتبطة بتصدير النفط وارتباطه بالأسواق العالمية، إذ تُصبح القوة النقدية علامة على ريعية الدولة النفطية وامتيازات مالية تُستخدم في استقرار النظام الاجتماعي والسياسي، بينما تظل القدرة الإنتاجية المحلية محدودة وموجهة نحو خدمة التراكم الرأسمالي العالمي. أما الفرنك CFA، فاستقراره لا يعني بالضرورة استقلالًا من التبعية، بل على العكس، فهو عملة مشتركة مرتبطة باليورو عبر آلية مؤسسية تُعطي المركز الأوروبي سيطرة مباشرة على السياسة النقدية والاحتياطات، فتُحوّل العملة إلى أداة تثبيت التبعية عبر تحديد سعر الصرف والفائدة، وإجبار الدول على تمويل نشاطها الاقتصادي من الخارج. وهكذا، تنشأ مفارقة واضحة بحيث يصبح الدينار الكويتي مثالًا على "قوة عملة" ضمن تبعية ريعية، بينما يصبح الفرنك CFA مثالًا على "ضعف عملة" ضمن تبعية مؤسسية كاملة، لكن كلاهما يُظهر أن العملة ليست رمزًا سياديًا بقدر ما هي موقع بنيوي داخل النظام العالمي: قوة العملة قد تُخفي تبعية الريع، وضعف العملة قد يُخفي تبعية الهيمنة المالية المباشرة، وكلاهما يثبت أن سيادة العملة مرتبطة أولًا بالسيادة على السياسة النقدية والفائض، لا بقدرته على الاستقرار الاسمي فقط.