إدارة الفوضى بدل بناء الدولة: قراءة في مسار التفكيك من بغداد إلى طهران
ليث الجادر
2026 / 1 / 27 - 00:47
تفترض السردية السياسية الشائعة أن تراكم الاستبداد والفساد يقود بالضرورة إلى انفجار شعبي، وأن هذا الانفجار يحمل في ذاته إمكانية التحول الديمقراطي. غير أن التجربة العربية في العقدين الأخيرين تُظهر أن الإشكال لم يكن في حدوث الانفجار بحد ذاته، بل في بنيته ومآلاته. فلو كان الانفجار حتميًا ومكتفيًا بذاته، لكان مساره متقاربًا في نتائجه، بينما الواقع يكشف عن انفجارات بلا دول بديلة، وحراكات بلا طبقات سياسية قائدة، وسقوط أنظمة لم يُفضِ إلى سيادة جديدة.
هذا التباين يفرض إعادة النظر في الفرضية الأساسية. فالعامل الحاسم لم يكن الغضب الشعبي وحده، بل الكيفية التي جرى بها إدارة هذا الغضب سياسيًا. هنا يصبح السؤال الافتراضي ضروريًا:
هل كانت الأنظمة التي سقطت مجرد عائق أمام مجتمعاتها، أم أنها كانت، في الوقت نفسه، حواجز بنيوية تمنع تفكيك الدولة والمجال الإقليمي؟
بعيدًا عن أي تبرير أخلاقي، يمكن القول إن عددًا من هذه الأنظمة أدّى وظيفة سياسية محددة. فالدولة العراقية قبل 2003، والدولة السورية بصيغتها المركزية، والدولة الليبية المغلقة، كانت جميعها تحتفظ بمركز سياسي واضح، وبقرار سيادي، وبقدرة – متفاوتة – على ضبط المجال الداخلي. إسقاط هذه الأنظمة لم يؤدِّ إلى استبدالها بدول أكثر تمثيلًا، بل إلى إزالة مركز الدولة نفسه، وفتح المجال أمام تفكك شامل لمفهوم السيادة. وفي هذا التفكيك، لعبت القوى الخارجية دورًا مهمًا في استثمار الفراغ، لكن الفاعلون المحليون أيضًا كانوا محركًا للتغيير والفوضى، سواء بطموحات طبقية أو مذهبية أو سياسية.
العراق يكتسب هنا أهمية خاصة بوصفه نقطة البدء النموذجية. لم يكن الهدف كسر نظام سياسي فحسب، بل كسر شكل الدولة بوصفها وحدة متماسكة. ثروة، موقع جغرافي، وذاكرة دولة حديثة؛ كسر هذه الحلقة أنتج نموذجًا قابلًا للتعميم: دولة بلا سيادة، مجتمع بلا عقد اجتماعي، وسياسة بلا مركز. ما تلا ذلك في الإقليم لم يكن إلا تنويعات مختلفة على هذا النموذج، بدرجات متفاوتة من العنف والانهيار.
في المقابل، تبرز حالات لم تُكسر بالطريقة نفسها، وفي مقدمتها مصر. هنا لا يمكن تفسير المسار المصري بالحديث عن “نجاح النظام” أو “فشل الثورة”، بل بفارق أعمق: مصر دولة متجذرة قبل أن تكون نظامًا. ما جرى فيها كان احتواءً للانفجار داخل بنية الدولة، لا تفجيرًا لبنية الدولة نفسها. لذلك جرى امتصاص الصدمة، وإعادة إنتاج السلطة، من دون انهيار الشكل العام للدولة أو فقدان مركزها.
من هنا يمكن التمييز بين مسارين مختلفين:
مسار الكسر: حيث يُزال النظام وتُزال معه الدولة، فيتحول المجال إلى فراغ مفتوح للصراعات والهويات الجزئية والإدارة الخارجية.
مسار الاحتواء: حيث يُعاد ترتيب السلطة داخل الدولة، مهما كان الثمن السياسي أو الأخلاقي، لكن من دون السماح بانهيار الشكل الجامع.
في هذا السياق، لم يكن الانتقال الفعلي من الاستبداد إلى الديمقراطية، بل من دولة سيئة إلى غياب الدولة. وبدل أن يتحول الصراع إلى صراع سياسي منظم داخل إطار سيادي، جرى تفريغه في صراعات داخلية، وحروب أهلية، ونزاعات تُدار أمنيًا بدل أن تُحسم سياسيًا. داخل هذا الفراغ، برزت إسرائيل – بوصفها قوة مركزية وظيفية في إدارة الفراغ الإقليمي، لا بوصفها محورًا مطلقًا لكل الأحداث – المستقرة والقادرة على التأثير في البيئة المحيطة المتفككة.
الأخطر في هذا المسار أن سؤال البديل لم يكن مطروحًا بجدية. فغياب الطبقات السياسية المنظمة، وهشاشة البنى الاقتصادية، وتفكك النسيج الاجتماعي، جعلت أي حراك واسع يتحول بسهولة إلى مادة خام لمشاريع تتجاوز الإرادة المحلية. ليست المسألة هنا إدانة للشعوب، بل تشخيص لمأزق تاريخي: الديمقراطية لا تُبنى فوق أنقاض دولة منهارة، ولا يمكن أن تولد من فراغ سيادي.
بذلك، يصبح الحدث المركزي في التجربة الإقليمية المعاصرة ليس “الثورة” ولا “المؤامرة”، بل انهيار الدولة بوصفها الشكل الذي يجعل السياسة ممكنة أصلًا. وما لم يُعاد طرح سؤال الدولة – لا النظام – قبل سؤال التغيير، سيظل أي انفجار جديد مهيأً لإعادة إنتاج الفراغ نفسه، بأسماء وشعارات مختلفة.
إيران: التفكيك المحدود والخصوصية الإقليمية
إذا كان انهيار الدولة، لا سقوط النظام، هو الحدث المركزي في التجربة العربية المعاصرة، فإن النقاش الدائر اليوم حول نية تغيير النظام الإيراني لا يمكن قراءته إلا بوصفه امتدادًا مباشرًا للمسار نفسه، لا كحالة استثنائية منفصلة. فالمسألة هنا لا تتعلق بطبيعة النظام الإيراني فقط، بل بموقع الدولة الإيرانية داخل البنية الإقليمية الراهنة، وبقدرتها الفعلية على الصمود والتحكم في عناصر الضغط الداخلي والخارجي.
إيران، بخلاف معظم الدول التي تعرّضت لمسارات التفكيك السابقة، ليست دولة هامشية ولا ساحة رخوة. إنها دولة تمتلك مركزًا سياسيًا واضحًا، وقرارًا سياديًا مستقلًا، وبنية مؤسساتية متماسكة، وقدرة فعلية على ضبط الداخل وتأثيره على المحيط الإقليمي. وهذا تحديدًا ما يجعلها اليوم موضع استهداف متزايد، لا بوصفها “مشكلة داخلية”، بل بوصفها العقدة الأخيرة في نظام إقليمي يسعى بعضه لإدارة الفراغ، لا القضاء على الدولة.
التشابه مع الحالة العراقية ليس في التفاصيل، بل في المنطق العميق: الدول التي تمتلك مركزًا سياديًا قويًا ومشروعًا مستقلًا تصبح هدفًا لإعادة الهندسة الإقليمية، بغض النظر عن طبيعة أنظمتها الداخلية. ومع ذلك، تختلف إيران عن العراق وسوريا وليبيا في:
قدرتها على استيعاب الصدمات الداخلية
شبكة تحالفات إقليمية موسعة
قاعدة اجتماعية متماسكة نسبيًا
السؤال الذي يُتعمَّد تجاهله في خطاب “تغيير النظام الإيراني” هو نفسه الذي غاب عن تجارب سابقة: ماذا بعد استهداف المركز؟ التجربة تقول إن استنزاف إيران سيؤدي إلى صراعات داخلية وإقليمية طويلة، لكن التفكيك الكامل كما حدث في العراق مستبعد، لأن الدولة نفسها تمتلك أدوات استدامة مركزها السياسي.
بهذا المعنى، لا يكون المطلوب بالضرورة انهيار إيران جغرافيًا، بل تحييدها سياسيًا جزئيًا: جعلها أقل قدرة على المبادرة، وإدارتها ضمن إطار ضغوط طويلة المدى، سواء اقتصاديًا أو سياسيًا أو أمنيًا. وهو الهدف ذاته الذي يحكم مسارات التفكيك السابقة، مع فرق أساسي: حجم الدولة، وتماسكها الداخلي، وعمق شبكاتها الإقليمية، يجعل التجربة الإيرانية محدودة التأثير، لكنها حاسمة لكل الإقليم.
إذا كان هذا التحليل صحيحًا، فإن النقاش الحقيقي لا يجب أن يدور حول الدفاع عن النظام الإيراني أو إدانته، بل حول الدفاع عن فكرة الدولة بوصفها شرط السياسة نفسه. فكل مسار تغيير لم يبدأ بسؤال: كيف نحمي شكل الدولة؟ انتهى إلى تدمير السياسة بدل تحريرها. وإيران اليوم تمثل الحلقة الأكثر تعقيدًا وأهمية في هذا المسار، لأن كسرها – إن حدث – لن يعيد إنتاج الفوضى السابقة فحسب، بل سيضع الإقليم أمام اختبار أوسع وأشد تعقيدًا.