كاظم المقدادي… قلم لم يعرف الراحة في زمن الأزمات
عماد آل جلال
2026 / 1 / 25 - 20:34
في مشهد إعلامي اعتاد التراجع أمام سطوة النفوذ وتقلبات السياسة، ظل كاظم المقدادي استثناءً واضحاً، صحفيا لم يمنح قلمه هدنة، ولم يتعامل مع الأزمات بوصفها عناوين عابرة، بل باعتبارها جوهر الصراع على مصير الدولة والمجتمع.
لم يكن الدكتور المقدادي ممن يكتبون على هامش الأحداث، أو يكتفون بتوصيف ظاهرها، بل انشغل بالغوص في أعماق المشكلات السياسية، وتشريح الأزمات الأمنية، وتفكيك الاختلالات المالية التي أنهكت الدولة وأرهقت المواطن. كان يعرف أن الأزمة ليست لحظة طارئة، بل حصيلة تراكم طويل من الأخطاء وغياب المساءلة، وأن دور الصحافة لا يكتمل ما لم تُسمَّ الأشياء بأسمائها الواضحة.
في كتاباته، ظل السياسي حاضرا بوصفه مسؤولا لا رمزا، والقرار موضع مساءلة لا مسلمة. تجرأ على مخاطبة أصحاب النفوذ برسائل صحفية مباشرة، يذكّرهم فيها بوعود قُطعت ولم تُنفذ، وبالفجوة المتسعة بين الخطاب الرسمي وواقع الناس. لم يفعل ذلك بدافع الخصومة، بل بمنطق الصحفي الذي يرى في التذكير واجباً، وفي الصمت تواطؤا، وفي الكلمة أداة ضغط أخلاقي لا غنى عنها.
أما في تناوله للملفات الأمنية، فقد تعامل معها بعين ناقدة لا انفعالية، رافضا تبسيط الأزمات أو تسويق الطمأنات الوهمية. كتب عن الأمن بوصفه منظومة عدالة وثقة، لا مجرد إجراءات، وعن الخلل الأمني باعتباره انعكاسًا لفشل سياسي وإداري أعمق. وفي الملف المالي، لم يُوارب في كشف سوء الإدارة وهدر المال العام وغياب الرؤية الاقتصادية، من دون أن ينزلق إلى خطاب شعبوي أو اتهامي سهل.
ما ميز المقدادي أن لغته ظلت هادئة، لاذعة، حتى في أشد المواقف قسوة، وأن نقده بقي موجهاً إلى السياسات والأنماط لا إلى الأشخاص، محافظاً على مسافة مهنية تحمي الفكرة من الابتذال. لم يكتب للإثارة، ولم يسعَ إلى إرضاء جمهور أو سلطة، بل انحاز للقارئ بوصفه شريكاً في السؤال والقلق والمسؤولية.
في المحصلة، يمثل كاظم المقدادي، الصحفي ثم الأكاديمي، نموذجاً للصحفي الذي أدرك أن القلم، حين يختار طريقه، لا يعود بحاجة إلى راحة. لم يتعامل مع الكلمة كترف ثقافي أو وسيلة حضور، بل كأمانة ثقيلة، تُحمِّله واجب التذكير حين يُنسى، والمساءلة حين تُؤجل، والقول الواضح حين يغري الغموض. ظلّ يكتب وهو يعرف أن الحقيقة لا تصنع العناوين السهلة، وأن الصحافة ليست ملاذا آمناً، بل ساحة مواجهة مفتوحة.
هكذا بقي قلمه واقفاً في وجه الرداءة، شاهداً على زمن مضطرب، وموقنا بأن الأوطان التي تُنهكها الأزمات لا يحميها الصمت، بل وعي يُكتب، وكلمة لا تُهادن، وصحفي يؤمن أن الدفاع عن الوطن يبدأ دائماً من الدفاع عن الحقيقة.