حين غنّى الطين: حكاية الآلات الموسيقية العراقية من أيدي الصنّاع إلى أفواه المدن
جعفر حيدر
2026 / 1 / 24 - 03:26
بقلم / جعفر حيدر
حين نتأمل تاريخ العراق لا يمكننا أن نفصله عن الصوت، فهذه الأرض لم تُنجب الحَرف والشرائع فحسب، بل أنجبت النغمة الأولى، ومنحت العالم أقدم آلة موسيقية موثقة، وكأن دجلة والفرات لم يكونا نهرين للماء فقط، بل شرايين تحمل الإيقاع من جيل إلى جيل. فالموسيقى في العراق لم تكن زينة للحياة، بل جزءًا من تكوينها، والآلة الموسيقية لم تكن أداة لهو، بل وسيلة تعبير روحي واجتماعي وسياسي في آنٍ واحد. منذ حضارات سومر وأكد وبابل وآشور، التي ازدهرت بين الألف الرابع والألف الأول قبل الميلاد، تكشف الألواح الطينية والنقوش الجدارية عن حضور كثيف للآلات الموسيقية، حيث عُثر في مدينة أور جنوب العراق، وتحديدًا في المقبرة الملكية التي اكتشفها عالم الآثار البريطاني ليونارد وولي عام 1929، على القيثارات السومرية الشهيرة التي يعود تاريخها إلى نحو 2600 قبل الميلاد، وكانت مصنوعة من الخشب المحلي، ومطعمة بالذهب والفضة واللازورد المستخرج من مناطق بعيدة، ما يدل على أهمية الآلة ومكانتها، وكانت تُعزف في الطقوس الدينية والجنائز الملكية، ويُعتقد أن صُنّاعها كانوا حرفيين متخصصين يتوارثون المهنة داخل المعابد، حيث كانت الموسيقى مرتبطة مباشرة بالكهنة والآلهة. ومع تعاقب الحضارات، تطورت الآلات وتنوعت، فظهر الناي المصنوع من القصب المنتشر في أهوار الجنوب، والذي يُعد من أقدم الآلات الهوائية في تاريخ البشرية، وكان ولا يزال مرتبطًا بالبيئة العراقية، بصوت الحزن العميق الذي يعكس طبيعة المكان والإنسان، إذ كان الراعي في ميسان والناصرية يعزف نايه وحيدًا، مستخدمًا قصبًا مجففًا ومثقوبًا يدويًا، في مشهد يتكرر منذ آلاف السنين دون أن يفقد معناه. أما العود، وهو سيد الآلات الشرقية، فقد اتَخذ في العراق هوية خاصة، ويكاد يُجمع الباحثون أن بغداد العباسية في القرن الثامن والتاسع الميلادي كانت مركزًا عالميًا لصناعته وتطويره، حيث شهدت المدينة على يد موسيقيين كبار مثل إسحاق الموصلي وزرياب تطورًا في شكل العود وعدد أوتاره، ويُنسب إلى زرياب إضافة الوتر الخامس، كما يُقال إنه غيّر مادة الريشة من الخشب إلى ريش النسر، مما أحدث ثورة في الأداء الموسيقي. وكان صُنّاع العود في بغداد والموصل يستخدمون أخشاب الجوز والتوت، ويصنعون الآلة يدويًا بدقة عالية، ويُختبر صوتها في الأسواق قبل بيعها، وكأن العود كان يُمنح شهادة ميلاد موسيقية قبل أن يغادر يد صانعه. وفي الموصل، المدينة التي عُرفت تاريخيًا بثقلها الموسيقي، ظهرت أيضًا آلة السنطور، وهي آلة وترية تُعزف بالمطارق الخشبية، ويُعتقد أن العراق كان أحد أهم مراكز صناعتها، خصوصًا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث ارتبط السنطور بالمقام العراقي، ذلك التراث الصوتي العريق الذي لا يمكن فصله عن بغداد، إذ كان السنطور يُصنع من خشب خاص، وتُشد أوتاره المعدنية بعناية شديدة، وكان يُستخدم في المقاهي الثقافية والجلسات الموسيقية التي احتضنت كبار قرّاء المقام مثل محمد القبانجي، الذي نقل المقام من فضاء محلي إلى منصة عالمية حين مثّل العراق في مؤتمر الموسيقى العربية بالقاهرة عام 1932. ولا يمكن الحديث عن الآلات العراقية دون التوقف عند الإيقاع، حيث لعبت الدفوف والطبول دورًا محوريًا في الحياة الاجتماعية والدينية، فالدَف كان يُصنع من إطار خشبي وجلد ماعز مشدود، ويُستخدم في الأذكار الصوفية والمناسبات الشعبية، خاصة في بغداد وكربلاء والنجف، بينما كان الطبل حاضرًا في المواكب والاحتفالات، يُصنع محليًا ويُضبط صوته وفق الحاجة، مما يعكس فهمًا عميقًا لعلم الصوت دون كتب أو نظريات مكتوبة. ومع دخول القرن العشرين، ورغم التغيرات السياسية والاجتماعية، حافظ العراق على هويته الموسيقية، واستمر صُنّاع الآلات في بغداد والموصل والبصرة في عملهم، حيث برزت أسماء معروفة في صناعة العود والكمان الشرقي، وكانت بعض الورش العائلية تُدار كإرث مقدس، لا يُسلَّم إلا لمن يثبت أمانته للصوت. ولم تكن الآلات الموسيقية في العراق حكرًا على النخبة، بل كانت جزءًا من حياة الناس اليومية، في الأعراس، في المقاهي، في الحقول، وحتى في أوقات الحزن، وكأن العراقي كان يلجأ إلى الموسيقى حين تعجز الكلمات. إن تتبع تاريخ الآلات الموسيقية العراقية هو في حقيقته تتبع لتاريخ الإنسان العراقي نفسه، صراعه، فرحه، حزنه، وقدرته العجيبة على تحويل الألم إلى لحن، والطين إلى آلة، والصمت إلى ذاكرة لا تموت، ولهذا فإن الموسيقى العراقية ليست مجرد تراث، بل شهادة حيّة على أن هذا البلد، مهما اشتدت عليه العواصف، لا يزال يعرف كيف يغنّي.