راوي والفراغ. قصة قصيرة ٢٩ابريل ٢٠٢٥
أمين أحمد ثابت
2026 / 1 / 24 - 00:15
تتملك الحسرة صدر راوي كريح عاتية تهب من اعماق زمن بعيد، فيسائل نفسه بصوت داخلي متقطع لكنه ممتد كالنهر: على ماذا يا نفس؟ على طفولة كانت تفيض بالضحك والركض في ازقة القرية، حيث الشمس تلمع على وجوه الصغار كذهب مكنوز، وحيث كل شيء كان يأتيه ابعد مما يحضر في احلامه واكثر مما كان يرغب فيه، شبابا لا يلويه شيء، جموح اقتحام لا يجرؤ عليه احد، عشق دائم بين يديه، مال يتوسل اليه ان يأخذه، مصاريع بلدان مغلقة على غيره فتحت له، مقاليد امكنة يتسيد عليها بمزاد متعالي في المكانة يسير عليه، ثم مضى العمر ويداه فارغتان، لم يقبل منحا ولا فرصا توهب له، يردد في داخله: لست مملوكا في جيني، سينصفني التاريخ كما ينصف الفرسان الصادقين والانبياء، لم انتظر مقابلا لكني كنت اؤمن باحقيتي على الاخرين بكل شيء ولا اطلبه، الا تنهشني الحسرة حتى ما كنت املكه وما كان سهلا يكون بيدي، حتى الصحة واللا عوز والمقدرة التي علمت بها تغيب عني وانا باحوج البسيط منها، حين يعبر الوقت ولا استوقفه يسحب معه الذاكرة عند الاخرين، الا يأكلني الالم حين اجد لا يحس بي احد ولا حقوق لهرم مقعد بينما كنت المقاتل عن الاخرين، الامر الذي لا اعرفه لما يخلو دماغي وعواطفي من التحسر والاسى، قد يصاحبني التألم، قد يضايقني حزني، لكني ان لم اكن انا لا يفرق الموت عن الحياة، ولم تكن هناك حياة اعرف اني حييتها.
تعود المخيلة الى الوراء فجأة، كبرق يضيء سماء الذاكرة، فيرى نفسه طفلا يركض خلف طيور مهاجرة، يضحك وهو يظن ان جناحيه سينبتان يوما، يسمع صوت امه وهي تناديه من بعيد، صوتها كجرس يرن في قلبه، يلتفت فيرى البيت الطيني، يرى اباه جالسا عند الباب، يده على عصاه، عيناه تلمعان بحكمة صامتة، في داخله حوار لم ينقطع: "ابي، هل سأكبر لأكون مثلك؟" فيرد الاب بصمت ثقيل، كأنما يقول: "ستكبر لتكون نفسك، لا احد غيرك"، فيكبر الطفل، يشتد عوده، يقتحم الازمنة، يظن ان العالم كله له، ثم يعود في مونولوج داخلي: "كنت املك كل شيء، لكني لم اقبض على شيء، كنت افتح الابواب واغلقها، كنت اضحك وابكي، كنت اظن ان الزمن صديق، فإذا به عدو يتربص بي، يسرق مني ما احب، ويتركني وحيدا في صحراء العمر".
وكان هناك توتر لحوار آخر ضاج في داخله ، يواجه :
- لماذا لم تقبل ف . . فقد جاءتك الكثير من الفرص
و . . لم تعطى لغيرك؟
يرد صدى داخلي:
- كنت وظللت ساذجا . . الكرامة السمعة اثمن من كل شيء ، تظن ان التاريخ سينصفك - البطولة وحدها تكفي، فهي بلا ذاكرة تضيع، والذاكرة بلا شهود تنطفئ، والانسان بلا اعتراف يموت
يتذكر لحظة كان فيها بين جموع تهتف باسمه، كان يظن ان المجد سيبقى، فإذا بالمجد يتبخر كدخان في الريح، ويعود الى وحدته، الى غرفته، الى كرسيه الخشبي، يكتب على جدار متصدع: "انا هنا، انا كنت هنا، انا لن اكون غائبا".
تتدفق الصور كأنهار متوازية، يرى نفسه في شبابه، يركب الخيل، يقتحم الساحات، يضحك في وجوه الخصوم، يرفع سيفه كأنه يرفع الشمس، يسمع اصوات الاصدقاء، حواراتهم تتردد في اذنه:
......... انت لا تهزم ، لا تنكسر .
يرد عليهم:
- انا لا اطلب شيئا، انا اقاتل لاني اؤمن ان الحق لا يشترى، ثم يعود ليجد نفسه في الحاضر، يرى يديه فارغتين، يرى جسده ضعيفا، يرى المرض يتسلل الى عظامه، فيصرخ في داخله:
......... اين ذهب كل ذلك، الشباب، الامل ، الوطنية، الرخاء، المجد . . طيب العشق؟ اين ذهب العشق؟
فيجيبه صدى بعيد:
...........ذهب كما يذهب الماء في الرمل، كما يذهب الضوء في العتمة، والحلم في اليقظة
يستحضر ذاكرة آخرى، يجلس في مقهى قديم، امامه صديق قديم، يتبادلان حوارا متقطعا:
- كنت عظيما، كنت اسطورة . الصديق
- يعني كنت، ولم اعد .
- لكن ذكراك ستظل باقية.
تكشف لراوي أن الذكرى لا تطعمه، لا تشفيه، لا تعيد له ما فقد كان قد نهض متألما، تاركا المقهى، يمشي في شارع طويل، يرى وجوها لا تعرفه، يسمع اصواتا لا تناديه، يشعر انه غريب في مدينته، غريب في زمنه، غريب في جسده، فيعود الى داخله في صدى صوت يقدم من بعد سحيق :
........... لست غريبا في المكان، الغربة تسكن قلبك ، مشاعرك لا احد يحس بك – انك غريب حقا . . ان تكون مقاتلا عن الآخرين ثم تترك وحيدا
تتدفق الذاكرة كطوفان، يرى نفسه في لحظة حب عارمة، امرأة تبتسم له، عيناها كبحر لا ينتهي، يمد يده اليها، يمسكها، يظن ان الحب سيبقى، فإذا بالحب يذوب كثلج في شمس حارقة، يعود الى وحدته، الى سريره، الى وسادته، يهمس لنفسه:
- حتى الحب لم يبق . العشق فارقني، حتى القلب الذي كان يشتعل صار رمادا
يسمع همسا داخليا آخر :
- انت من يصنع الرماد ، ل . . لكنه يخفي جمرا، قد يشتعل من جديد - يبتسم ابتسامة حزينة، كأنه يصدق وكأنه لا يصدق.
يسائل ذاته مرة أخرى هل كنت مخطئا أم كنت احمقا او مغرورا ؟ فتجيبه ذاته الاخرى: كنت انسانا، و . . كفى - فيتنهد، قائلا : لكنني لم انهض، سقطت ولم انهض، بقيت في السقوط، بقيت في الانكسار فترد عليه نفسه : الانكسار ليس نهاية، بل بداية طريق الى حكمة - لا يعرفها الا من انكسر – يرد بتقطع خجول في صوته اقرب الى الهمس : هي نفس الكذبة . . التي صدقتها وغيري الكثيرين .
تعود الصور الى الطفولة مرة اخرى، يرى نفسه يلعب في الحقول، يسمع اصوات الطيور، يرى امه تضحك، يرى اباه يبتسم، يشعر ان العالم كله كان له، ثم يعود الى الحاضر، يرى ان العالم كله ضده، فيصرخ: "لماذا؟ لماذا تغير كل شيء؟ لماذا صرت وحيدا ، فيرد صدى بعيد : لان الزمن لا يرحم، لان الناس لا يذكرون، لان المجد لا يبقى، لان الحياة لا تعطي الا لتأخذ - انا لا اطلب شيئا، انا لا اريد شيئا، فقط اريد ان يعرفوا اني كنت هنا، اني قاتلت، اني احببت، اني عشت، اني لم اكن غائبا، اني لم اكن عدما، اني كنت انسانا ، ثم يسكت، ينظر الى السماء، يرى النجوم، يقول: النجوم تبقى، وانا سأبقى في ذاكرتها، وان لم يبق احد من البشر ليذكرني - وتتدفق المشاعر بغزارة من شعور الضيم والشغف للارتواء بالحب او حتى لو هناك بارقة ومض عابرة عن الإحساس بالجميل من أي كان - أنهار من كلمات تضج داخله ولا تنقطع يقول : انا لم اكن عدما، لم اكن غائبا، كنت هنا . ويستعيد صورا متقطعة من ذاكرة بعيدة، يرى نفسه في ساحات مكتظة، يرى الاعلام ترفرف، ويرى نفسه في ساحات مكتظة، يرى الاعلام ترفرف، يرى الهتاف يعلو، ثم يرى الفراغ، يرى الصمت، يرى الكراسي الخالية، فيدرك ان المجد لا يبقى، وان الانسان وحده يبقى في مواجهة نفسه، في مواجهة ذاكرته، في مواجهة صدى صوته الذي لا يسمعه احد.
ويخرج الى الليل، يمشي في شارع طويل، يختفي في العتمة، تاركا وراءه صدى كلماته يتردد في الفراغ: انا كنت هنا، انا كنت انسانا، انا لم اكن غائبا ، ويظل الصوت يتردد، يتسع، يتضاعف، كأنه يريد ان يثبت وجوده في ذاكرة الكون، لا في ذاكرة البشر، كأنه يريد ان يكتب نفسه في سجل النجوم، لا في سجل الارض، كأنه يريد ان يعلن ان الانسان، مهما فقد، مهما انكسر، مهما نسيه الناس، يبقى شاهدا على نفسه، يبقى اثرا في ذاته، يبقى حياة عاشها، حتى لو لم يعترف بها احد.