قراءة نقابية في مقال إنغريد روبينز ومسرحية ترامب في دافوس بين صمت النيوليبرالية وضجيج الشعبوية


جهاد عقل
2026 / 1 / 23 - 10:03     

مقدّمة
في كانون الثاني/يناير 2026، عاد الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس ليقدّم نفسه بوصفه مساحة لمناقشة “أكبر المخاطر التي تواجه العالم”. غير أنّ هذه الكثافة الخطابية أخفت مرة أخرى السؤال الجوهري: أي نظام اقتصادي يُنتج هذه المخاطر؟
في هذا السياق، نشرَت الفيلسوفة والاقتصادية إنغريد روبينز* مقالًا لافتًا في The Guardian بعنوان :"في دافوس، يتحدث الأغنياء عن “المخاطر العالمية”… لكنهم يصمتون عن أخطرها"، اعتبرت فيه أن أخطر تهديد للبشرية والكوكب — الرأسمالية النيوليبرالية — غائب عمدًا عن نقاشات دافوس. تزامن ذلك مع ظهور استعراضي للرئيس الأميركي دونالد ترامب في المؤتمر، في ما بدا مسرحية شعبوية لا تمسّ جوهر الأزمة بقدر ما تعيد إنتاجها.
يسعى هذا المقال إلى قراءة أطروحة روبينز قراءة تحليلية من منظور الاقتصاد السياسي النقدي، وربطها بالمشهد الشعبوي في دافوس، وصولًا إلى بلورة موقف نقابي واضح يتجاوز ردّ الفعل نحو إنتاج خطاب بديل.

في بداية المقال تكتب انغريد روبينز "
هذا الأسبوع، يجتمع مئات من قادة الحكومات ورؤساء الدول وكبار التنفيذيين في الشركات في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. وسيبحثون، كما هي العادة، في حلول لأكبر المخاطر والمشكلات التي يواجهها العالم.
لكن كل المؤشرات تدلّ على أنّ أخطر تهديد يواجه البشرية والكوكب لن يكون مطروحًا على جدول أعمالهم مرة أخرى: الرأسمالية النيوليبرالية.
جميع أشكال الرأسمالية تقوم على ملكية خاصة واسعة للشركات وعلى أولوية دافع الربح. غير أنّ الشكل النيوليبرالي من الرأسمالية، الذي صعد إلى الهيمنة منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، يتميز بسمات إضافية: خصخصة الشركات التي كانت في السابق مملوكة للقطاع العام؛ نقل ميزان القوة من العمال إلى مالكي رأس المال؛ وخفض الضرائب على رواد الأعمال والأثرياء جدًا.
لقد أدى الانتقال من اقتصادات مختلطة في ظل الديمقراطيات الاجتماعية إلى الرأسمالية النيوليبرالية إلى تركيزٍ متزايد للثروة في القمة، وهو ما بات يقوّض ديمقراطياتنا، بل ويدمّرها في بعض الأماكن. إنّ غياب نقاش جاد ومستدام حول الرأسمالية النيوليبرالية داخل الأوساط النخبوية أمر غير منطقي، لأنها السبب الرئيس للمشكلات الأخرى التي ستُناقش في دافوس.
في الأسبوع الماضي، أطلق المنتدى الاقتصادي العالمي تقريره عن المخاطر العالمية لعام 2026، تمهيدًا لاجتماع دافوس. وقد طُلب من خبراء اختيار أكبر المخاطر التي يواجهها العالم من قائمة محددة سلفًا. فاعتُبرت المواجهة الجيو-اقتصادية، والمعلومات المضللة والتضليل الإعلامي، والاستقطاب الاجتماعي، أخطر ثلاثة مخاطر في العامين المقبلين. وعلى مدى عشر سنوات، جاءت الظروف المناخية المتطرفة، وفقدان التنوع البيولوجي وانهيار النظم البيئية، والتغيرات الحرجة في أنظمة الأرض، في الصدارة.
أما عدم المساواة في الدخل والثروة فجاء في المرتبة السابعة. ويعرض التقرير هذا العامل باعتباره الأكثر مركزية، لأنه يتقاطع مع معظم المخاطر الأخرى. وهذه ملاحظة صحيحة إلى حدّ ما. غير أنّ التعليق الوارد في التقرير لا يقدّم فهمًا حقيقيًا لطبيعة المشكلة في عدم المساواة. إذ يختزل المنتدى عدم المساواة في مشاعر المواطنين الذين يشعرون بالإقصاء والاستياء من محدودية فرصهم في الحراك الاجتماعي.
لكن جوهر عدم المساواة الاقتصادية أعمق بكثير. فهو يتعلق بسؤال أساسي: من يحصل على أي حصة من الثروة التي ننتجها معًا؟
إن الأيديولوجيا النيوليبرالية، بتركيزها على الفرد وعلى مكاسب الكفاءة الناتجة عن المنافسة، تدفعنا إلى الاعتقاد بأن امتلاك الثروة يمكن إرجاعه إلى الجهود الفردية. غير أنّ هذا وهم”.

* النيوليبرالية بوصفها الخطر غير المُسمّى
تقوم الرأسمالية النيوليبرالية، كما تبيّن إنغريد روبينز، على ثلاث ركائز مركزية:
الخصخصة الواسعة،
نقل القوة من العمل إلى رأس المال،
تخفيف العبء الضريبي عن الأثرياء وأصحاب الشركات.
هذه ليست خيارات تقنية، بل قرارات سياسية أعادت تشكيل ميزان القوى الاجتماعية منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي. والنتيجة كانت تركّزًا متصاعدًا للثروة في القمة، وتآكلًا للديمقراطية، وإضعافًا متواصلًا للعمل المنظم.
ورغم أن تقرير “المخاطر العالمية 2026” يعترف بأن عدم المساواة عامل مركزي يربط مختلف الأزمات، إلا أنه يعجز — أو يمتنع — عن تسمية النظام الذي ينتجها. إن هذا الصمت ليس بريئًا؛ فهو يحوّل النيوليبرالية من سبب إلى خلفية غير مرئية، ويمنع أي نقاش جدي حول بدائل اقتصادية ممكنة.

* عدم المساواة… من سؤال شعوري إلى مسألة بنيوية
ينتقد مقال روبينز اختزال عدم المساواة في “مشاعر الإقصاء” أو ضعف الحراك الاجتماعي. فالمسألة، في جوهرها، ليست نفسية ولا ثقافية، بل توزيعية وبنيوية:
من يحصل على أي حصة من الثروة التي ننتجها جماعيًا؟
تفكّك الكاتبة أسطورة “الاستحقاق الفردي” التي تروّج لها النيوليبرالية، وتعيد الاعتبار إلى الطبيعة الجماعية للإنتاج. فلا أرباح كبرى دون تعليم عام، وصحة عامة، وبنية رعاية، وعمل غير مرئي تؤديه غالبًا نساء وعمّال بأجور متدنية.
من منظور نقابي، تمثّل هذه النقطة حجر الأساس لأي خطاب بديل: الثروة اجتماعية في إنتاجها، لكنها فردية في تملّكها. وهذه المفارقة هي قلب الصراع الطبقي المعاصر.

* التاريخ يحذّر — تركّز الثروة طريق إلى الانهيار
تستند روبينز إلى أعمال تاريخية تُظهر أن المجتمعات التي سمحت بتراكم الثروة المفرطة دون مساءلة، انتهت إلى التفكك. الجديد اليوم ليس وجود اللامساواة، بل غياب أي التزام من النخب باستخدام ثرواتها للصالح العام، مقابل توسّع ما يُسمّى “صناعة الدفاع عن الثروة” لحماية الامتيازات.
هذا التحليل يضع الحركة النقابية أمام مسؤولية مزدوجة: الدفاع عن الحقوق المباشرة للعمال، والتنبيه إلى المخاطر الحضارية الأوسع لنظام يقدّم الربح على الإنسان والبيئة.

* شعبوية ترامب — الضجيج الذي يحمي النظام
في مقابل النقد البنيوي الذي تطرحه روبينز، جاء ظهور ترامب في دافوس ليقدّم نموذجًا معاكسًا ظاهريًا ومتكاملًا عمليًا.
فالخطاب الشعبوي الذي يهاجم “النخب” ويتحدث باسم “الشعب”، لم يتضمّن أي مساءلة حقيقية لآليات تراكم الثروة، ولا لأي من الامتيازات البنيوية لرأس المال العالمي.
هنا تكمن المفارقة: الشعبوية ليست نقيض النيوليبرالية، بل إحدى آليات بقائها. فهي تحوّل الغضب الاجتماعي إلى عرض إعلامي، وتستبدل الصراع الطبقي بصراعات ثقافية وقومية، وتُبقي السؤال الاقتصادي الجوهري خارج النقاش.
في دافوس، رأينا وجهين لعملة واحدة:
نخبة ليبرالية تتحدث عن المخاطر دون تسمية النظام،
وشعبوية سلطوية تصرخ ضد النخب دون المساس بمصالحها الاقتصادية.

* أين تقف الحركة النقابية؟
أمام هذا المشهد، لا يكفي أن تكون الحركة النقابية في موقع الاعتراض الأخلاقي. المطلوب هو خطاب تحليلي–سياسي يواجه النيوليبرالية والشعبوية معًا، ويعيد ربط النضال اليومي (الأجور، الضرائب، الحماية الاجتماعية) بالسؤال الأكبر: أي اقتصاد نريد؟
إن الدفاع عن الديمقراطية لا ينفصل عن الدفاع عن الديمقراطية الاقتصادية، ولا عن إعادة الاعتبار للعمل بوصفه مصدر الثروة الحقيقي. ومن دون هذا الربط، يبقى الغضب الاجتماعي عرضة للتوظيف الشعبوي أو الاحتواء النخبوي.

* كسر الصمت ضرورة نقابية
يكشف مقال إنغريد روبينز أن أخطر ما في دافوس ليس ما يُقال، بل ما لا يُقال. فالصمت عن النيوليبرالية ليس حيادًا، بل تواطؤًا.
أما الشعبوية، مهما علا صوتها، فلا تشكّل بديلًا تحرريًا ما دامت تتجنب المساس بجذور اللامساواة.
من موقعنا النقابي، نؤكد أن كسر هذا الصمت هو شرط أساسي للدفاع عن العدالة الاجتماعية، وعن كرامة العمل، وعن مستقبل المجتمعات. فإما أن نواجه النظام الذي ينتج الأزمات، أو نكتفي بمشاهدته.
بدورنا نؤكد إن ما جرى في دافوس هذا العام يثبت صحة ما تذهب إليه إنغريد روبينز: العالم لا يعاني من نقص في الخطابات، بل من غياب الشجاعة السياسية لمساءلة النظام الاقتصادي القائم.
إن المسرحية الشعبوية التي قدّمها الرئيس ترامب لا تمثل بديلًا عن النيوليبرالية، بل تشكّل آلية دفاع عنها، لأنها تفرغ الغضب الاجتماعي من مضمونه، وتحرفه بعيدًا عن جوهر الصراع: صراع العمل ضد تراكم الثروة المفرطة، والديمقراطية ضد سلطة رأس المال.
من موقعنا النقابي، نؤكد أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق عبر الاستعراض ولا عبر التقارير التقنية المعقمة، بل عبر:إعادة الاعتبار للعمل المنظم،فرض عدالة ضريبية حقيقية على رأس المال،
ومساءلة نظام اقتصادي يضع الربح فوق الإنسان والبيئة.
إن الصمت عن النيوليبرالية ليس حيادًا، بل تواطؤ.
وكسر هذا الصمت، سواء في الصحافة أو في نضالات الحركة النقابية، هو خطوة ضرورية للدفاع عن الكرامة الإنسانية ومستقبل المجتمعات.

* في دافوس، يتحدث الأغنياء عن “المخاطر العالمية”… لكنهم يصمتون عن أخطرها
بقلم: إنغريد روبينزتاريخ النشر: الاثنين 19 كانون الثاني / يناير 2026 صحيفة The Guardian