حين تبدأ النهضة من العقل


جعفر حيدر
2026 / 1 / 22 - 21:06     

بقلم /جعفر حيدر

الانعتاق ليس ترفًا فكريًا ولا شعارًا فلسفيًا معلقًا في هوامش الكتب، بل هو فعل وجودي عميق يبدأ حين يكتشف الإنسان أن كثيرًا مما يعيشه لم يختره، وأن جزءًا كبيرًا من قناعاته صيغ له قبل أن يتعلم السؤال، وأن الطريق الذي يسير فيه قد يكون مرسومًا سلفًا باسم العرف أو الطاعة أو الخوف أو ما يسمى بالمصلحة العامة، والانعتاق في جوهره هو الخروج من حالة القصور التي يُراد للفرد أن يبقى فيها إلى حالة الرشد التي يصبح فيها قادرًا على أن يقرر ويتحمل مسؤولية قراره لا بوصفه تابعًا بل بوصفه إنسانًا كامل الأهلية الفكرية والأخلاقية، ففي مجتمعات كثيرة يُعامل الشاب كما لو أنه مشروع خطأ دائم يحتاج إلى وصي لا يغيب وصوت أعلى منه وعين تراقبه في اختياراته الصغيرة قبل الكبيرة في دراسته وعمله ورأيه وحتى في أحلامه ويُقنع بأن الجماعة أدرى بمصلحته منه وأن الخروج عن المسار المرسوم نوع من الخيانة أو الجنون أو قلة الأدب وهنا يصبح الانعتاق استردادًا لحق بسيط لكنه خطير في نظر السلطات الاجتماعية وهو حق الخطأ أن يختار الإنسان طريقه حتى لو تعثر وأن يدفع ثمن تجربته بكرامة لا بإذلال وأن يكون مسؤولًا لا تابعًا، ثم تأتي الأدوار الجاهزة تلك الأقفاص الناعمة التي تُبنى من كلمات مألوفة هذا دورك لأنك رجل وهذا دورك لأنك امرأة هذا سقفك لأنك فقير وهذا حدك لأنك من منطقة منسية أو عائلة عادية فيكبر الشاب وهو يمثل شخصية لم يكتبها ويرتدي قناعًا لا يشبه ملامحه فقط ليُقبل اجتماعيًا والانعتاق هنا لا يكون بالصراخ بل بالفعل الهادئ بأن يعيش الإنسان حقيقته لا الصورة التي يريدها الآخرون وأن يكسر القالب حتى لو أزعج وأن يختار جوهره لا التصفيق المؤقت، وفي زحام الحياة الحديثة قد يتحول الشاب إلى رقم موظف يؤدي حركة محفوظة أو مستهلك يكرر دورة الشراء والانتظار يشعر أنه ترس صغير في آلة كبيرة لا تعرف اسمه ولا أحلامه يعمل ليبقى حيًا لا ليصنع معنى وهنا يصبح الانعتاق استعادة للإنسان من داخل الوظيفة أن يرى في عمله أثرًا لا مجرد تعب وفي حياته مشروعًا لا مجرد وقت يمر وأن يعود الشعور بأن له قيمة تتجاوز الإنتاج والاستهلاك، والأخطر من كل ذلك هو القيد الذي لا يُرى حين تُزرع في العقول أفكار على أنها حقائق نهائية وتُقدم القناعات الجاهزة بوصفها قدرًا فيؤمن الشاب أن الظلم طبيعي وأن الصمت حكمة وأن الاعتراض وقاحة وأن الفشل نصيب مكتوب لا نتيجة نظام مختل وهنا يكون السجن داخل الرأس والانعتاق الحقيقي يبدأ بسؤال صغير قد يبدو بريئًا لكنه يهز الأساسات لماذا ومن قرر هذا ولصالح من ومن قال إن ما نعيشه هو الشكل الوحيد الممكن للحياة، ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا وملحًا هل يحتاج الشباب في وطننا إلى الانعتاق والجواب ليس نعم أو لا فقط بل توصيف لحالة نعم يحتاجون إليه لأن كثيرًا منهم يعيش بين وصاية اجتماعية ثقيلة وأدوار مفروضة واغتراب صامت وقناعات موروثة لم تُختبر يحتاجون إلى انعتاق لا يحطم المجتمع بل ينضجه ولا يهدم القيم بل ينقذها من التحول إلى أدوات قمع انعتاق يجعل الشاب شريكًا في الوطن لا مجرد تابع فيه فالوطن لا يُبنى بأناس يخافون التفكير بل بأناس يجرؤون على أن يكونوا أحرارًا ومسؤولين في الوقت نفسه أحرارًا في الاختيار ومسؤولين عن نتائج هذا الاختيار وهناك فقط يبدأ المعنى الحقيقي للنهضة لا حين تتغير الوجوه بل حين تتحرر العقول.