لماذا يجب ان نتذكر لينين؟
طارق فتحي
2026 / 1 / 22 - 20:19
بضع كلمات في ذكرى وفاته
(تلميذي الذي لم يتعلم مني شيئا سوى ان يكون خصمي.. أنه بلا شك شخصية بارزة وعظيمة، والكتابة عنه امر صعب) بليخانوف.. نقلا عن كتاب لينين وبناء الحزب... توني كليف
(الان يمكن القول حقا ان هناك حركة اشتراكية ديموقراطية اصيلة في روسيا وان مفكرين اشتراكيين ديموقراطيين حقيقيين بدأوا بالظهور) اكسلرود.. نقلا عن مقال.. لوحات ثورية.. اناتولي لونشارسكي.
في زمن تفسخ وتعفن النظام الرأسمالي، زمن التوحش والبربرية والهمجية، زمن انهيار الدول واغتصابها وإعادة احتلالها، زمن السرقة والنهب والبلطجة، زمن انتشار الجوع والامراض والاوبئة، زمن اضمحلال المنظومة الأخلاقية بشكل تام، زمن الإبادات الجماعية، زمن التهجير وتدمير البلدان، زمن التطرف الديني والقومي، زمن ترامب ونتنياهو، في هذا الزمن يحسن بنا ان نتذكر لينين، كصفحة بيضاء ونقية في هذا التاريخ.
حقا انه أمر صعب الكتابة عن شخصية مثل لينين، فهو الذي افتتح القرن العشرين بإنجاز ثورة قلما يجود الزمان بمثلها، قاد لينين بشكل رائع ثورة أكتوبر 1917، بمنهجية ماركسية حاسمة؛ لم يهادن او يناور على هذه المنهجية، كانت اداته التحليلية التي بها شرح وفسر الاحداث والوقائع التاريخية، كان ذو رؤية ثورية حادة، مكنته من تأدية دوره التاريخي المناسب، فقد أثر بشكل كامل في الاحداث التاريخية ان لم نقل انه ساهم بصنعها.
لينين هو ابن مرحلته وعصره، وقد استوعب بشكل كامل تلك المرحلة؛ دقة ملاحظاته جعلته يتخذ القرارات السليمة؛ لقد شكل "كاريزما" من نوع بطولي في نظر رفاقه والجماهير؛ يكتب بليخانوف يقول ((ان الرجل العظيم يعد عظيما لا لان صفاته الشخصية تطبع الاحداث التاريخية بطابعها الخاص، بل لأنه يتحلى بصفات تجعله اقدر من الاخرين على الاستجابة للضرورات الاجتماعية العظيمة في عصره)) ولينين كان مدركا جيدا لتلك الضرورات الاجتماعية، فقد كانت روسيا بحاجة للتغيير، فالنظام القيصري قد ترهل وشاخ، وفي احشاء المجتمع ينمو جنين الثورة، قاطرة التغيير قادمة لا محالة، فالتراكمات وصلت الى حدودها القصوى، والصراع احتدم، فتناقضات المجتمع والدولة تتفاقم يوما بعد آخر، فكان لازما وضرورة ان يكون هناك نفي للنظام او تغييرا نوعيا، ولينين قد استوعب كل تلك التناقضات وذلك الصراع، وقد استجاب بشكل مذهل لحركة المجتمع تلك، وقادها بروح ثورية خالصة نحو التغيير.
اليوم نعيش عصر ترامب، ويبدو العالم كله مندهش من تصرفات وسلوكيات هذا الرئيس، لكن لسان حال لينين يقول لم العجب؟ ترامب الممثل الاوضح والحقيقي للنظام الرأسمالي، انه الوجه الشديد الوضوح لليبرالية، لماذا لا تقرأون الإباء المؤسسين لليبرالية؟ ما الذي يريده ترامب؟ يريد هذا البلد او تلك الجزيرة، حسنا لنقرأ نص لوك في مقالتان في الحكم المدني "ان الأرض التي تركت بأكملها على حالتها الطبيعية من دون تعهدها كمرعى او من دون تعهدها بالزراعة او الفلاحة هي ارض بائرة بالفعل. وسنجد ان منفعتها تكاد تنعدم حتى نأتي عليها بالتسييج وبالحيازة الخاصة فتعود علينا بالنفع" اليس هذا تشريع لسلب الأراضي؟
ماذا يريد ترامب؟ انه عنصري وينظر للمهاجرين وذوي البشرة السوداء على انهم أدنى. حسنا، لابد انكم تعرفون ان لوك كان مساهما في شركة "رويال افريكان"، وهذه الشركة كانت تصيد السود افريقيا وجلبهم لاوربا، وعندما كان يشغل منصب سكرتير "مجلس التجارة والمزارع" كان يدعو لتوسيع حملات المستوطنين في أمريكا.
لكن لنترك لوك الان، لنقرأ زميله هيوم في مقالة في الاخلاق والسياسة ماذا يقول:
"ان السود بطبيعتهم ادنى من البيض، فهم يقبعون في درجة اجتماعية ادنى حتى انهم يفتقدون أي بصيص من الابداع او الابتكار ومن الروح الحرة كذلك"
بل ان الرئيس الامريكي جفرسون كان مالكا للرقيق؛ فما الغرابة في سلوكيات ترامب؛ بالإمكان قراءة دو توكفيل او بنثام او مالتوس او سميث او مونتسكيو، فمؤلفاتهم تغص بالتعاليم الليبرالية التي تربى عليها ترامب وغيره من قادة النظام الرأسمالي، الفرق بين ترامب ومن سبقه ان الليبرالية كأيدولوجيا رسمية للنظام الرأسمالي كانت تغلف سياستها ب "الديموقراطية، حقوق الانسان، الحرية"؛ لكن ترامب ازال تلك الاقنعة وجعل العالم يرى بوضوح أكثر ماذا يعني النظام الرأسمالي وماذا تعني الليبرالية.
شكرا لك رفيق لينين لأنك كنت المثال الناضج والعميق لنقد الرأسمالية وايديولوجيتها الليبرالية، شكرا لأنك حاربت بلا كلل النظرات الدينية والقومية لدى البشر، شكرا لأنك أعطيت دروسا بليغة في النضال والتحزب من اجل طموح البشرية في الخلاص والانعتاق من الظلم الطبقي المقيت، وجعلت الامل مغروسا في الكثير من الطبقات المضطهدة للتطلع الى عالم أكثر مساواتية وعدالة.
.