حين تبدأ التفاهمات بالانهيار: العراق كحقل تفكيك لا كموضوع نقاش


ليث الجادر
2026 / 1 / 21 - 00:48     

. العراق كنظام لادولة: تسوية أم قدر تاريخي؟
نظام اللادولة في العراق لم يعد توصيفًا تحليليًا، بل واقعًا منتهي التشكّل. التفاهمات الدولية والإقليمية التي حكمته لم تكن مشروع استقرار، بل صيغة إدارة مؤقتة لفراغ السيادة. ما تغيّر اليوم ليس التشخيص نفسه، بل السياق الذي جعله ممكنًا. ومع استقرار خريطة القوة الجديدة في المنطقة، لم تعد هذه الصيغة قابلة للاستمرار، لا لأنها فشلت، بل لأنها أدّت وظيفتها وانتهى دورها.
ما نشهده ليس بداية أزمة عراقية جديدة، بل بداية تفكيك منظّم لترتيب قديم. التفاهمات التي ضمنت تحييد العراق لم تُبنَ على أسس ثابتة، بل على توازن هش بين قوى كبرى وإقليمية قبلت بتجميد الصراع داخله مقابل حماية مصالحها. هذا التوازن نفسه تغيّر: أولويات القوى تبدّلت، كلفة إدارة الفراغ ارتفعت، وأدوات الضبط التي كانت فعّالة تحوّلت إلى عبء سياسي وأمني.
2. حين تنهار التفاهمات: العراق بين التفكيك وإعادة التوزيع
في هذه المرحلة، لا تعود إدارة الفراغ خيارًا عقلانيًا. القوى التي كانت راضية بتقاسم النفوذ غير المحسوم، باتت تبحث عن ترتيب أكثر وضوحًا وأقل التباسًا. ومع هذا التحوّل، يصبح العراق ليس ساحة حياد، بل حقل اختبار لإعادة التموضع. ليس المطلوب إسقاطه أو احتلاله، بل إعادة تعريف وظيفته داخل الخريطة الإقليمية الجديدة.
تفكيك نظام اللادولة لا يتم دفعة واحدة، ولا عبر حرب شاملة، بل عبر آليات متدرجة. تبدأ أولًا بتآكل دور الوكلاء المحليين؛ النخب التي أُنيط بها ضبط التوازن لم تُبنَ لتدير مرحلة انتقال، بل لتجميد الصراع. ومع تغيّر الشروط، تفقد هذه النخب وظيفتها، وتتحوّل من عنصر استقرار إلى عنصر تعطيل. الأمر نفسه ينطبق على الفصائل المسلحة، التي لعبت دور أدوات الضبط داخل النظام السابق، لكنها في مرحلة التفكيك تصبح فائض قوة غير قابل للإدارة بنفس الصيغة.
في هذا السياق، لا يجري الصراع على العراق بوصفه دولة، بل بوصفه شكلًا لم يُحسم بعد. القوى الإقليمية والدولية لا تتنافس على “السيادة العراقية”، بل على طبيعة الكيان الذي سيخلف نظام اللادولة: هل سيكون دولة ضعيفة بوظائف محدودة؟ أم ساحة نفوذ مُعاد تنظيمها؟ أم تركيبًا هجينًا جديدًا يوزّع السلطة بطريقة مختلفة؟ هذه الأسئلة لا تُطرح علنًا، لكنها تحكم السلوك السياسي الفعلي.
الأخطر أن العراق يدخل هذه المرحلة بلا أدوات ذاتية. الدولة التي جرى تفريغها طويلًا لا تملك قدرة تفاوضية، والنخب التي تعايشت مع دور الوكيل لا تملك مشروعًا بديلًا، والمجتمع الذي أُقصي عن السياسة لا يُستدعى إلا بوصفه عامل ضغط أو مادة اضطراب. هكذا يُعاد تشكيل النفوذ فوق أرض بلا تمثيل حقيقي، وبلا قدرة داخلية على فرض شروط مختلفة.
ما يعنيه هذا عمليًا هو أن التغيّر القادم في خارطة النفوذ داخل العراق ليس احتمالًا نظريًا، بل نتيجة حتمية لتحوّل ميزان القوى في المنطقة. ومع استقرار هذا الميزان الجديد، ستُعاد صياغة التفاهمات، ليس على أساس تحييد العراق، بل على أساس إدخاله في ترتيب جديد، أكثر صراحة وأقل التباسًا. في هذه اللحظة، سينتهي وهم “الهدوء المريب”، ويظهر الثمن الحقيقي لإدارة الفراغ طويلًا.
3. الفاعلون في العراق: إعادة التدوير داخل نظام اللادولة
وظهور هذا الفاعل، في ظل غياب أي جهة سياسية عصامية قادرة على إنتاج ذاتها خارج شروط الهيمنة، لن يكون تعبيرًا عن إرادة داخلية خالصة، بل نتيجة منطقية لبنية «اللادولة» نفسها. فالنظام الذي فُرِّغ من قدرته على إنتاج معارضة حقيقية، أو نخبة مستقلة، لا يلد إلا فاعلًا من داخله، من محيطه المباشر، من طبقته الإدارية أو الأمنية أو الاقتصادية، فاعلًا لا يكسر النظام بل يعيد تدويره.
وهذا الفاعل، بحكم موقعه وبحكم شروط ولادته، سيكون مدعومًا من القوة الدولية الخارجية الأقوى، لا بوصفه خيارًا أيديولوجيًا، بل بوصفه أداة إدارة. فالدول الكبرى لا تبحث في حالات «اللادولة» عن مشروع، بل عن وظيفة: من يضمن استمرار التوازن الهش، من يمنع الانفجار غير المنضبط، من يدير الفوضى دون أن يحولها إلى تهديد إقليمي.
بهذا المعنى، لا يعود العراق ساحة صراع مفتوح كما يُروَّج، بل ساحة تفاهمات مؤجلة، تُدار فيها التناقضات بدل أن تُحسم، وتُرحَّل الأزمات بدل أن تُحل. لكن هذه التفاهمات، مهما بدت راسخة، ليست أبدية. فاستقرار «نظام اللادولة» في العراق كان انعكاسًا لخريطة قوة إقليمية ودولية سابقة، خريطة بدأت تتآكل.
ومع تغيّر موازين القوى في المنطقة، ومع صعود فاعلين جدد وتراجع آخرين، ومع اهتزاز قواعد الردع والتحالف، يصبح من المستحيل أن تبقى التفاهمات الدولية في العراق على حالها. إن أي إعادة ترتيب للقوة في الشرق الأوسط ستنعكس حتمًا على خارطة النفوذ داخل العراق، لا لأن العراق فاعل، بل لأنه عقدة، ولأن «اللادولة» هي أول ما يُعاد التفاوض عليه حين تتغير شروط القوة.