س. كلارك كيسنجر[ الشيوعي الثوريّ ] : من عمري مضت 85 سنة و لا يزال لديّ 15 سنة لبلوغ المائة...لكن يجب أن يرحل ترامب الآن !
شادي الشماوي
2026 / 1 / 19 - 13:10
س. كلارك كيسنجر[ الشيوعي الثوريّ ] : من عمري مضت 85 سنة و لا يزال لديّ 15 سنة لبلوغ المائة...لكن يجب أن يرحل ترامب الآن !
نصّ من تأليف س. كلارك كيسنجر بمناسبة عيد ميلاده ال85
جريدة " الثورة " عدد 939 ، 12 جانفي 2026
www.revcom.us
كان س. كلارد كيسنجر منظّما و ناشطا و كاتبا و خطيبا بارزا منذ بدايات ستّينات القرن العشرين . في بدايات ستّينات القرن الماضي ، كان كلارك الأمين العام قوميّا ل" طلبة من أجل مجتمع ديمقراطي " ( SDS ) و قد نظّم أوّل مسيرة في واشنطن لإنهاء الحرب في الفيتنام ( 1965 ) . وهو شيوعي ثوري و من أنصار الشيوعيّة الجديدة التي طوّرها القائد الثوري بوب أفاكيان .
-----------------------------------------------
خلال ما بات الآن 65 سنة كناشط سياسي ، شاهدت عديد الأشياء و أود أن أخصّ منها بالذكر ثلاث بإعتبارها ذات دلالة دائمة . و تثميني لكلّ منها اليوم لا ينبع كثيرا من " وجودي هناك " و إنّما من فهم لدلالتها المكتسبة عبر الزمن ، بمساعدة و جهد عدّة رفاق و رفيقات و أصدقاء و صديقات .
1- ستّينات القرن العشرين :
هناك الإنطباع الخاطئ بأنّ " الستّينات " كانت ظاهرة أمريكيّة . ما نسمّيه الآن " الستّينات " كان عمليّا نهوضا عالميّا للمقاومة و الثورة كإمتداد لأواخر الخمسينات وصولا إلى أواسط السبعينات . وهو يشمل كلّ من التمرّدات في البلدان الرأسماليّة المتطوّرة و كذلك الثورات الإشتراكيّة و المعادية للإستعمار في ما يسمّى بالعالم الثالث . و سنة 1968 لوحدها كانت سنة تمرّد عالمي يشبه كثيرا سنة 1848 . لقد شاهدت إنتفاضة الطلبة – العمّال في فرنسا ، و هجوم التات في الفيتنام، و إنفجار الثورة الثقافيّة في الصين ، و المجزرة في حقّ المتظاهرين من الطلبة في المكسيك ، و المقاومة الشعبيّة للغزو الروسي لتشيكزلوفاكيا ، و ولادة المقاومة الفلسطينيّة في معركة الكرامة ، و تمرّد نكسلباري في الهند ، و حالة الطوارئ المعلنة في الأوروغواي ردّا على التوباماروس ، و أيضا التمرّدات في مدن في الولايات المتّحدة عقب إغتيال مارتن لوثر كينغ الإبن و نموّ حزب الفهود السود . ( أنظروا تأريخي لأحداث سنة 1968 الذى نشره على موقع أنترنت https://www.dissident.info ).
ما هو من المهمّ إستخلاصه من التجربة الخاصة في الولايات المتّحدة هو كيف يمكن أن يبدو وضعا ثوريّا ناميا . فمن الشائع لدي الناس الذين لو يكونوا هناك أو لدي الذين كانوا هناك لكن الطبقة الحاكمة قد " إسترجعتهم " ، أن يحتقروا الناس معتبرين أنّه يجب أن يكونوا مجانين ليفكّروا أنّه كان من الممكن أن تندلع ثورة . حقّا ؟ لنلقى نظرة .
أوّل مكوّن من مكوّنات الوضع الثوريّ هو أزمة حادة في صفوف الطبقة الحاكمة تتسبّب في إنقسام و عدم القدرة على الحكم بالطرق القديمة . و مثل هذه الأزمة السياسيّة لا تظهر بالضرورة نتيجة أزمة إقتصاديّة . و في الواقع ، التصاعد الكبير للتمرّد في الستّينات ، و خلالها وجدت الطبقة الحاكمة نفسها بدرجة كبيرة في موقع دفاعي سياسيّا ، تزامنت مع أوج القوّة الإقتصاديّة للولايات المتّحدة عالميّا . ما حصل هو أنّ الجماهير الشعبيّة تخلّصت من رهبة التطيّر إزاء الدولة و أمسكت بالمبادرة من يد الطبقة الحاكمة . و قد كان الناس ينعتون الشرطة بالخنازير . و قد رفض الجنود في الفيتنام تنفيذ الأوامر و رموا بقنابل يدويّة في خيمات الضبّاط الذين كانوا متعصّبين بدرجة كبيرة . و قد أحرق الطلبة عشرات مباني ROTC . و سرعان ما نبذت النساء مؤسّسات البطرياركيّة / النظام الأبوي / الذكوري . و وُجدت تمرّدات مدينيّة كُبرى في الولايات المتّحدة و تنامي حركة تحرّر السود . و قد فقدت الدولة شرعيّتها في عيون الملايين .
و من نتائج ذلك ، نقاش محتدم صلب الطبقة الحاكمة حول كيفيّة علاج الوضع و إعادة فرض السيطرة . هل ينبغي شنّ هجوم قمعيّ أم ينبغي التخفيف من شعبيّة التحرّكات بتقديم تنازلات مؤقّتة ؟ و أفضت شدّة الصراع في نهاية المطاف إلى وضع حيث كلّ من الرئيس و نائب الرئيس إضطرّا إلى الإستقالة و تمّ تعيين رئيس و نائب رئيس و لم يتمّ إنتخابهما . هكذا يمكن أن تبدو أزمة صلب الطبقة الحاكمة . ( من أجل تسليط الضوء على ذلك ، أنصح الناس بقراءة مذكّرات نائب الرئيس السابق سبيرو أنيو " Go Quietly …´-or-Else" / " أخرج بهدوء ...و إلاّ " )
و المستلزم الثاني للوضع الثوري هو أناس يحملون فكرا ثوريّا . لا حاجة لأن يمثّلوا الأغلبيّة ، لكن يتعيّن أن تكون لديهم قوّة معتبرة . في الستّينات ، حدث إستيقاظ كبير إزاء واقع أنّ " الحلم الأمريكي " كان عمليّا كابوسا أمريكيّا بالنسبة إلى عديد الناس هنا و عبر العالم . و في حين لم يوجد فهم عميق لما تتطلّبه الثورة الفعليّة ، أضحى ملايين الناس يعتقدون في أنّ النظام القائم كان فاسدا و لا أمل في إصلاحه و اللازم هو " ثورة " . و بعيدا عن أن يكون وصمة عار إجتماعيّة ، كان هناك تقدير بدرجة كبيرة لمن كانوا يسمّون أنفسهم ثوريّين .
و شرع الناس أيضا في التصرّف وفق هويّتهم الذاتيّة الجديدة . و كان من المميت البقاء في وضع المتفرّج السلبيّ . و أخذت المسيرات في واشنطن تصبح مناضلة بحيث أنّ إدارة نكسن لجأت إلى إغلاق المنافذ إلى البيت الأبيض بجدار من القافلات خشية أن تغمر العاصفة مقرّ السلطة التنفيذيّة . و نداء غلق واشنطن في ماي 1971 أفرز نزول عدد كبير إلى الشوارع إلى درجة دعوة الجيش للدفاع عن العاصمة و جرى إيقاف أكثر من 12 ألف شخص – أكبر إيقافات في تاريخ الولايات المتّحدة .
لكن بينما كانت لدينا على الأقلّ بدايات متطبّبين للوضع الثوريّ ، ما لم يكن لدينا هو العنصر الثالث : حزب ثوريّ يملك تصميما و فهما و خطّة و قيادة و تنظيم في صفوف الجماهير الشعبيّة و برنامج لمجتمع ما بعد الثورة يمكن أن يوحّد الحركة الجماهيريّة و يقودها نحو إفتكاك ناجح للسلطة . و حتّى القوّة الأكثر تقدّما وقتذاك ، حزب الفهود السود ، لم يركّز أبدا و لم يعالج بجدّية مسألة ما تقتضيه عمليّا الإطاحة بالدولة و قيادة مجتمع ثوريّ جديد .
2- الثورة الثقافيّة البروليتاريّة الكبرى :
عدد قليل من الناس يعرفون حتّى الخطوط العريضة للثورة الثقافيّة البروليتاريّة الكبرى (GPCR ) ، و من المرجّح أنّ هذه الثورة هي أكبر حدث تاريخي عالمي تمّ الإفتراء عليه . كانت إنتفاضة شعبيّة مذهلة شهدتها الصين في ظلّ قيادة ماو تسي تونغ لكسر سلطة " الشيوعيّين " التحريفيّين المتخندقين الذين أرادوا إتّباع طريق الإتّحاد السوفياتي ، طريق كان سيؤدّى – و في نهاية المطاف أدّى – إلى إعادة تركيز الرأسماليّة .
و كانت زيارتي للصين في مناسبتين خلال النصف الأخير من الثورة الثقافيّة البروليتاريّة الكبرى إمتيازا . و كما في الستّينات ، فهمي لما جرى في هذا الحدث العالمي الهام نابع من دراستي للأحداث و من الرؤي الثاقبة لآخرين ، أكثر من ملاحظاتي الذاتيّة . و مع قول هذا ، يظلّ من المذهل أنّي رأيت ذلك بأمّ عيني !
و في حين أنّ الكتب و الأشرطة المتّصلة بالثورة الثقافيّة البروليتاريّة الكبرى قد ركّزت على المسيرات و التجمّعات الجماهيريّة و " الملصقات ذات الحروف الكبيرة " التي كانت في محور الصراع من أجل السلطة ، قلّما يشخّص مظهر من هذه الثورة هو أنّها أفرزت برنامج التدريب السياسي الأكثر جماهيريّة في تاريخ الإنسانيّة . و عند كلّ نقطة ، جرت تعبأة البلاد بأسرها لقراءة و نقاش ذات العمل النظري الهام . و عندما كنت هناك سنة 1972 ، كان الناس يدرسون " ضد دوهرينغ " لإنجلز و في سنة 1975 ، جاء دور كتيّب ماركس ، " نقد برنامج غوتا " . و في لحظة ما ، سألت بسذاجة نوعا ما إن كانت لديهم نسخ كافية من " ضد دوهرينغ " لقرأه الجميع . و قيل لي بطريقة ملاحظة واقع ملموس أنّ دار نشر الدولة قد وزّعت للتوّ 50 مليون نسخة إضافيّة . هذا هو أخذ الدراسة على محمل الجدّ !
و مظهر آخر من مظاهر الثورة الثقافيّة البروليتاريّة الكبرى الذى يقع عادة نسيانه و قد أثّر فيّ كثيرا هو " الأشياء الإشتراكيّة الجديدة " . و قد كتبت عنها وقتها . وهي تجارب من القواعد في صياغة علاقات إجتماعيّة و إقتصاديّة على المستوى المحلّي كانت تبشّر بكيف يمكن أن يكون المجتمع الشيوعي المستقبلي . و وُجدت أماكن أين حوّلت المجتمعات المحلّية عن وعي ما كان سلعا إلى خدمات إجتماعيّة . و لم يعد إستعمال هذه الخدمات مرتهنا ب أو يتمّ تبادله مع المال المكتسب بالوصولات لهذه الخدمات . كان الناس يستخدمون ما كانوا يحتاجون إليه و يساهمون في الرخاء المشترك بطرق أخرى .
و سنة 1972 ، زرت قرية صغيرة قرب حقل نفط داكينغ في منشوريا . و في تلك القرية ، كانت النساء جميعا تعمل – لكن في قطاعات مختلفة من الاقتصاد الإشتراكي . و إشتغلت بعض النساء في الحقول كجزء من الكمونة الفلاحيّة المحلّية . و كانت النساء تنال أجرا في الغالب " عينا " من المحاصيل . و كانت نساء أخريات تشتغلن في معامل تعاونيّة صغيرة تصنع المسامير . و كنّ ينلن أجرا من مداخيل مبيعات مساميرهنّ إلى الدولة . و ختاما ، كانت بعض النساء تشتغلن في حقول النفط و أجورهنّ كانت نقدا مباشرة من الدولة .
و الواقع الهام هنا هو أنّ كافة النساء كنّ تشتغلن بكدّ ، و مع ذلك كانت مداخيلهنّ مختلفة إستنادا إلى الإنتاجيّة الإقتصاديّة لعملهنّ . كانت النساء اللواتي تشتغلن في الحقول تنال الأجل الأدنى . و النساء العاملات في معامل المسامير كانت أجورهنّ متوسّطة . و الأجر الأعلى كانت تحصل عليه النساء اللواتي تشتغلن في حقول النفط ذلك أنّ إنتاجيّة حقول النفط المملوكة من قبل الدولة كانت الأعلى .
و كانت النساء في القري جميعهنّ منخرطات في دراسة مؤلّفات ماركس و كنّ يخضن في مسألة نظريّة : لقد فهمت النساء لماذا تكسب بعضهنّ أكثر مالا من الأخريات . لكن هل يجب أن يظلّ الأمر كذلك ؟ لم تكن تفكّرن في أنّه يجب على الأمر أن يظلّ كذلك . لذا ، قرّرن جمع مداخيلهنّ من المصادر الثلاثة المختلفة و تقاسم المال بالتساوي أكثر . فمثّل هذا قطيعة مباغتة مع قوانين التبادل في إقتصاد السوق . و كان فعلا أمرا ثوريّا ! مثّل خطوة بإتّجاه الشيوعيّة قطعها الناس عن وعي متخلّصين من مفاهيم " القيمة الماليّة " و الملكيّة الخاصة على أنّها أمور طبيعيّة و حتميّة .
و في النهالية ، تمّ إلحاق الهزيمة بالإنتقال الإشتراكي إلى الشيوعيّة في كلّ من الإتّحاد السوفياتي و الصين ؛ و تمّت إعادة تركيز الرأسماليّة . و " العمل الحيّ " رُبط مجدّدا ب " العمل الميّت " ( رأس المال كعمل مراكم ) . و جرى تعويض شعار " خدمة الشعب " بشعار " أن تصبح غنيّا أمر عظيم " . و الدروس الكبرى التي إستخلصت في ظلّ قيادة ماو كانت أنّ الإفتكاك الثوريّ للسلطة ليس سوى البداية ، و ليس الهدف النهائيّ ، و أنّ ليس بوسعنا " أن نوجد طريقنا إلى الشيوعيّة " بتنمية مستوى الوفرة الماديّ . و المرحلة الإنتقاليّة الإشتراكيّة تتميّز أكثر بكثير بحدّة الصراع الطبقي حول تغيير العلاقات الإقتصاديّة و الإجتماعيّة و هذا يتطلّب نواة قياديّة تسعى جاهدة و عن وعي لتحقيق مجتمع خال من الطبقات .
3- ولادة الشيوعيّة الجديدة لبوب أفاكيان :
و الشيء الأهمّ و الأكثر ديمومة النابع من ستّينات القرن الماضي هو الشيوعيّة الجديدة التي طوّرها بوب أفاكيان . فبوب أفاكيان هو مهندس الإطار الجديد لتحرير الإنسانيّة وهو ، دون شكّ ، كارل ماركس زمننا .
لقد مثّلت هزيمة الإشتراكيّة في الإتّحاد السوفياتي و الصين قضية كبرى بالنسبة إلى " أناس الستّينات " . إلاّ أنّ بوب أفاكيان أبا القبول بالإستنتاجات الإنتصاريّة لدعاة الرأسماليّة . و الآن يكون قد أمضلى خمسين سنة في البحث في ما جري عمليّا و قد دافع عن المكاسب الكبرى للثورتين الروسيّة و الصينيّة . لكن تاليا ، تعمّق في بحث ليس ما تمّ إنجازه بشكل إيجابي وحسب لكن أيضا في بحث لماذا إقتُرفت أخطاء ( و بعضها خطير جدّا ) . بأيّ منهج و مقاربة عالج قادة هذين المجتمعين الثوريّين الحرّيات و الضرورات التي واجهوها ؟ و كيف يمكن لنا اليوم القيام بذلك بصفة مغايرة و أفضل بكثير ؟
سأحاول عرض ما أرى أنّه بعض الإستنتاجات و النظرات الثاقبة الهامة لبوب أفاكيان ، لكن لا يجب على أحد أن يتّخذ ملاحظاتي على أنّها " موثوقة " و بالتأكيد لا تعوّض الحاجة العمليّة لقراءة الأعمال الأساسيّة لبوب أفاكيان .
ما يسلّط بوب أفاكيان عليه الضوء هو الإخفاق في أن يكونوا علميّين تماما ؛ و علميّين تعنى جعل أفكار المرء متناسبة مع الواقع و ليس مع التفكير الحالم . غالبا ما أسقطت شيوعيّة القرن العشرين ( " الشيوعيّة القديمة " ) في مقاربة كانت تقريبا دينيّة ، محلّة الإعتقاد في مكان الواقع . و مثال ساطع كان الزعم التيولوجي بأنّ الشيوعيّة حتميّة . الشيوعيّة ليست حتميّة؛ هي ممكنة ، و هناك قاعدة ماديّة لها ، غير أنّها ليست حتميّة .
أعتقد أنّ ما أذهلني أكثر من أيّ شيء آخر في عمل بوب أفاكيان هو فهمه للإشتراكية . فعدد كبير من الناس اليوم يعتقدون أنّ الدولة الإشتراكيّة دولة ذات " إقتصاد مختلط " فيه يتمّ تقييد الرأسماليّة بواسطة الديمقراطيّة التمثيليّة بينما تضمن الدولة أساس مستوى معيشة و رعاية طبّية للجميع .
و بالعكس ، شيّد أفاكيان أفكاره على فهم ماركس للإشتراكيّة بإعتبارها مرحلة إنتقاليّة تُعوّض دكتاتوريّة الطبقة الرأسماليّة بدكتاتوريّة الكادحين الذين لا ملكيّة لهم و حلفائهم . و الأهداف الواعية لهذه المرحلة الإنتقاليّة هي إقتصاد تحكمه الحاجيات الإجتماعيّة بدلا من سوق السلع ، و وضع نهاية لحاجة فئة من المجتمع إلى المسك بسلطة مؤسّساتيّة على البقيّة . و طريقة أخرى لوصف هذه الأهداف أكّدها ماركس على النحو التالي : إلغاء كلّ الإختلافات الطبقيّة ، و كلّ علاقات الإنتاج التي تقوم عليها الإختلافات الطبقيّة ، و كلّ العلاقات الإجتماعيّة المتناسبة مع علاقات الإنتاج هذه ، و تثوير كلّ الأفكار المتناسبة مع هذه العلاقات الإجتماعيّة . لكن الحاجز دون تبنّى الجماهير الشعبيّة لهذا الفهم كان القمع المتواتر جدّا للتفكير النقديّ على يد الشيوعيّة القديمة . و بالعكس ، يدعو أفاكيان لمجتمع إشتراكي فيه مساحة للإختلاف و " هواء " يتنفّسه الناس . و فيما يقع الإحتفاظ بسلطة الدولة ضد أيّ محاولات عنيفة لإعادة تركيز الرأسماليّة ، فإنّ سلطة الدولة الإشتراكيّة توصف كأفضل ما توصف بإمتلاكها لبّ صلب مع الكثير من المرونة . لا ينبغي للشيوعيّين لأبدا أن يخشوا الحقيقة و يتعيّن عليهم أن يشجّعوا المعارضة لأنّه يمكن التعلّم من كافة الحقائق .
و يشير أفاكيان إلى أنّ التناقضات يمكن أن تظهر بين الشعب و الدولة الإشتراكيّة . ففي حين من واجب الدولة الإشتراكيّة أن تحمي الشعب من الأعداء الخارجيّين و من أيّة إعادة تركيز بالقوّة للرأسماليّة ، من واجب الدولة الإشتراكيّة أيضا أن تحمي حقوق الشعب من الدولة نفسها . و ذات أهميّة خاصة هو تشديد أفاكيان على أن يقود الشيوعيّون الدولة بالأساس من خلال التأثير الإيديولوجي و السياسي و ليس من خلال السيطرة التنظيميّة . يجب على أعضاء الحزب الشيوعي أن يلتزموا بالقانون و بدستور الدولة الإشتراكيّة و لا يتمتّعون بأيّ إمتيازات خاصة لكونهم أعضاء في الحزب .
و على وجه الخصوص ، يدعو أفاكيان ليس إلى حقّ الناس في نقد الدولة و حتّى الدعوة إلى إعادة تركيز الرأسماليّة ، و إنّما أبعد من ذلك ، يتعيّن على الدولة جزئيّا أن تموّل مثل هذا النقد و كذلك تموّل الدفاع القانونيّ عن الأشخاص الذين تتبعهم الدولة قانونيّا بذات الدرجة التي تموّل الدولة تتبّعهم القانونيّ . و هذا مفهوم للحقوق القانونيّة لم تتجرّأ و لا دولة رأسماليّة أبدا على تبنّيه .
و أيضا نقد أفاكيان بشدّة الأفكار القائلة بأنّ للحقيقة أساس طبقيّ ( بدلا من كون الحقيقة موضوعيّة ) و أنّ للشغّالين و المضطهَدين تقبّل خاص للحقيقة ببساطة بفضل كونهم مستغَلّين و مضطهدين . و من هنا جاءت الفكرة الخاطئة بأنّ مجرّد وضع الشغّالين في موقع السلطة ، بدلا من النضال لتميكن كافة المجتمع من فهم أعمق لطريق المجتمع الخالي من الطبقات، سيحلّ المشاكل .
و مثال آخر من التحليل الخاطئ في الشيوعيّة القديمة هو فكرة أنّ قاعدة الشيوعيّة هي الوفرة الماديّة ، و منه أتت فكرة أنّ الدولة الإشتراكيّة بوسعها ببساطة لأن " تنتج طريقها إلى الشيوعيّة " . ثمّة مستوى معيّن من الوفرة لازم لإيجاد إقتصاد شيوعي لكن الحاجة الأساسيّة هي تغيير تفكير الناس و العلاقات الإجتماعيّة – و ليست كمّية الثروة الماديّة المتوفّرة .
و الشيوعيّة القديمة لم تبل دائما البلاء الحسن في ما يتّصل بقضايا الأمميّة . هدف الثورة الشيوعيّة ليس تحسين حياة شعب في بلد معطى و إنّما بالأحرى التحرير العالمي للإنسانيّة من عراقيل رأس المال . و مثلما وضع ذلك أفاكيان ، المهمّة الرئيسيّة لبلد شيوعي هي أن يكون قاعدة إرتكاز للثورة العالميّة . و مع ذلك ، غالبا ما سقط قادة شيوعيّون في القوميّة و ركّزوا إهتماماتهم على مصالح بلدهم الخاص .
و فضلا عن ذلك ، ثمّة إخفاق جدّي في الكوامن الأخلاقيّة للشيوعيّة و طريق بلوغها . الشيوعيّة الجديدة لبوب أفاكيان بصرامة تتمسّك بأنّ الغايات لا تبرّر الوسائل . لا يمكن إقتراف الجرائم على أساس أنّها ستقرّبنا من الشيوعيّة . بالأحرى ، وسائل الشيوعيّة يجب أن تنبع على الدوام من و تنسجم مع أهداف الشيوعيّة .
شأنه في ذلك شأن ماركس ، كان و لا يزال أفاكيان معلّقا غزير الكتابات على الأحداث الجارية و قد وفّر قيادة لا تقدّر بثمن. و بالأخصّ ، طوال الأربعين سنة الماضية قد وثّق و حذ{ من صعود القوميّة و الفاشيّة المسيحيّة في بلده . ( أنظروا " أعمال بوب أفاكيان حول الفاشيّة : 1996-2025 " ، جريدة " الثورة " https://www.revcom.us ). يمكن أن تكون عذر الناس في ألمانيا أنّه " ما من أحد كان بمقدوره رؤية ما كان يتمّ تحضيره " . و الناس في هذه البلاد ليس بوسعهم الركون إلى ذلك العذر .
و في الوقت نفسه ، نظر أفاكيان بعمق أكبر بكثير في طريق الثورة في البلدان الرأسماليّة المتطوّرة ، و الميل القاتل حتّى لأفضل الناس نوايا نحو المبالغة بقوّة الضرورة و استخفاف بالحرّية الموجودة لتغيير هذه الضرورة – و في نهاية المطاف يؤدّى بهم الأمر إلى إمّا التنكّر لإمكانيّة الثورة أو مجرّد الجلوس و إنتظارها . و بدلا من ذلك ، ما هناك حاجة إليه هو تحليل حيويّ لخطوط حدود المجتمع القائم و الميول المستمرّة نحو حدود الممكن بهدف ملموس في الذهن : التسريع بإيجاد وضع ثوريّ .
و من المهمّ فهم أنّ مجمل أعمال أفاكيان ليست إضافة ، تحسين ، أو تطبيق خاص للماركسيّة . بالأحرى هي قفزة نوعيّة في العلم نفسه ، يمكن مقارنتها بالقفزة التي أنجزها ماركس . ففي زمن ماركس ، عزّزت الرأسماليّة سلطة الدولة في أمريكا و الدول الكبرى لأوروبا و كانت تتوسّع عبر الكوكب مثل سرطان خبيث و ليس للإنسانيّة شيء لمواجهته بإنقاذ الديمقراطيّة البرجوازيّة ، و النقابويّة أو المفاهيم الخياليّة للإشتراكيّة ، عادة مستندة على الدين . و قد غيّر ماركس كلّ ذلك بشرح علميّ للنظام الرأسمالي و ما يجب القيام به للقضاء عليه .
و اليوم ، مع إلحاق الهزيمة بالثورات الكبرى للقرن العشرين ، وعولمة الإنتاج الرأسمالي ، و التهديد البيئي الوجودي للكوكب ، الإنتشار العالمي للحركات الفاشيّة ، الأدوات القديمة لليبراليّة البرجوازيّة و الحركات العمّاليّة الديمقراطيّة – الإشتراكيّة ، و حتّى أفضل أفكار الشيوعيّة القديمة ، تبيّن أنّها تماما غير مناسبة للتحدّيات التي تواجه الإنسانيّة . عند هذه النقطة ، تقدّم بوب أفاكيان ليعالج ما يجب القيام به لكن بمنهج و مقاربة مغايرين نوعيّا و أكثر رسوخا علميّا و قائمين على الأدلّة . لقد منح أفاكيان الإنسانيّة أدوات تحقيقها لقفزتها الكبرى التالية .
مثل ماركس في زمنه ، أفاكيان وجه مثير للجدل . فقد إعتُبر ماركس دغمائيّا و فئويّا من قبل إصلاحيّي وقتذاك . و لتكوين فكرة عن ذلك ، ينبغي أن يشاهد الناس شريط رؤول باك " كارل ماركس الشاب " / The Young karl Marx. و مع ذلك مثل العلماء الكبار الآخرين قبله و بعده ، دلّلت النظرات الثاقبة لماركس أنّها أساسا صحيحة و أصبحت في آن معا تشكّل فهمنا للعالم الواقعي و تغيّر مجرى التاريخ .
و قد كنت شاهدا على تطوّر هذا طوال عديد السنوات الآن ، بوسعي أن أقول إنّه إن كنتم جدّيين بشأن تحرير الإنسانيّة حالئذ عليكم أن تصبحوا من طلبة بوب أفاكيان . و يتعيّن عليّ أن أقرّ أنّني كطالب لدي أفاكيان ، كنت عادة أصل متأخّرا للدرس و لم أحصل دائما على أعداد جيّدة . لكنّني لم أتخلّى أبدا عن المدرسة . يملك الثوريّون الشبّان اليوم التفكير الثوريّ الأكثر تقدّما في العالم بين أيديهم و كامل زمن حياتهم أمامهم – و لديّ بعدُ 15 سنة أخرى لبلوغ سنّ المائة . معا ، لنركض نحو تجاوز العراقيل !
و ثمّة الكثير و الكثير بالإمكان قوله ، لكن أشجّع الناس على التعمقّ في عديد أعمال بوب أفاكيان و منها " الشيوعيّة الجديدة " و " دستور الجمهوريّة الإشتراكيّة الجديدة في شمال أمريكا " و " إختراقات ... " .
ملحق :
في ديسمبر 2020 ، في أوج أزمة الكوفيد في مدينة نيويورك ، كنت أقطن على بُعد بضعة مباني من مستشفى كبري في بروكلين . و خارج واجهة ذلك المستشفى ، يوميّا ، كانت تتشكّل صفوف من الناس المنتظرين للخدمة الإستعجاليّة . و خلف المستشفى ، كانت هناك جملة من الشاحنات الثلاّجات للجثامين التي لم يعد يوجد لها مكان في مشرحة المستشفى .
و في حين كان ذلك الوباء منتشرا حينها ، لم تكن توجد أزمة ارتفاع حرارة الكوكب . و نحن الآن قد مضينا بعيدا إلى نقطة اللاعودة . و لحوالي ثلاثة ملايين سنة ، النباتات و الطحالب و بكتيريا السيانو كانت بصبر تمتصّ ديوكسيد الكربون من الجوّ ، مستخدمة الطاقة الشمسيّة لتُنتج الكربوهيدرات و تعيد إطلاق الأوكسيجين في الجوّ . و في الثلاث مائة سنة الأخيرة ، كلّ هذه السيرورة إنقلبت إنقلابا دراماتيكيّا ، مع حرق الوقود الأحفةوري الذى يُطلق الديوكسيد من جديد في الجوّ بكمّيات كبيرة ، ما يحجب أشعّة الشمس في شكل حرارة .
و اليوم ، تقريبا كلّ شيء يتحرّك في التجارة ( الشاحنات و الطائرات و القطارات ) يستخدم الطاقة النابعة من حرق الوقود الأحفوري ( الفحم الحجريّ ، و البترول و الغاز الطبيعي ) . و مع ذلك في الوقت نفسه ، كمّية الطاقة التي تسقط على الأرض من إشعاعات الشمس أكثر من كافية لتلبية حاجيات الناس على المستوى المنظور . لذا ما الذى يمنع التحوّل ببساطة إلى الطاقة الشمسيّة بدلا من الوقود الأحفوري؟ إنّه النظام الرأسمالي .
عديد تريليونات الدولارات من رأس المال يقع إستثمارها في كلّ من التجهيزات المستهلكة للوقود الأحفوري و في إستخراج و توزيع الوقود الأحفوري . و التخلّي عن ذلك سيتطلّب التدمير التام لكلّ هذا الرأسمال . أصحاب رأس المال لا يمتلكون إلاّ صفرا من الدوافع للقبول بتلك الخسارة الكبرى ، و لهم ضرورة قويّة ناجمة عن المنافسة الرأسمال ليواصلوا ما يقومون به . وحدها ثورة شيوعيّة بوسعها أن تغيّر هذا و تضع الإنسانيّة في المقام الأوّل في سلّم الأولويّات . هذا واقع أساسي و مع ذلك يجد معظم الناس من الأيسر تصوّر نهاية العالم من تصوّر نهاية للرأسماليّة .
و في تشابك مع أزمة البيئة هناك تدمير قابليّة الحياة لدي الملايين من الناس في بلدانهم الأصليّة . و من نتائج ذلك كانت الهجرة الجماعيّة للناس من جنوب الكوكب نحو أوروبا و أمريكا البيضاء و الإمبرياليّة . و سنة ميلادي ، 1940، كانت " علامة الماء العالية " للبيض في أمريكا . إذ كان البيض يشكّلون ما يناهز التسعين بالمائة من السكّان . و اليوم ، لا يشكّل البيض عدا 60 بالمائة من السكّأن ، و حتّى نسبة مائويّة أقلّ من الأطفال في عمر التمدرس .
و هذا التغيّر الديمغرافي في الولايات المتّحدة ، ممزوجا بإنهيار القوّة الإقتصاديّة للولايات المتّحدة في مواجهة المنافسة العالميّة و تأثير حركات النساء و الناس ذوي البشرة الملوّنة ، يوفّر قاعدة لنواة من الرأسماليّين الرجعيّين لتنظيم حركة فاشيّة . حركة تدعو إلى الحفاظ على الرفاه الاقتصادي و التفوّق الاجتماعي يشعر الأمريكيّون البيض و الذكور و المسيحيّون بأنّهم مؤهّلون له . و من هنا ظهور حركة فاشيّة ل " جعل أمريكا عظيمة من جديد " .
إنّ الفظائع التي عزّزت الفاشيّة و ستعاقب هذه البلاد و العالم أبعد من أن يتصوّرها معظم الناس . يجب ترحيل ترامب من السلطة الآن ، قبل فوات الأوان .