الشيوعيّة القديمة و الشيوعيّة الجديدة – مقتطف من نصّ من تأليف س. كلارك كيسنجر بمناسبة عيد ميلاده ال85


شادي الشماوي
2026 / 1 / 19 - 13:09     

س. كلارك كيسنجر[ الشيوعي الثوريّ ] : من عمري مضت 85 سنة و لا يزال لديّ 15 سنة لبلوغ المائة...لكن يجب أن يرحل ترامب الآن !
نصّ من تأليف س. كلارك كيسنجر بمناسبة عيد ميلاده ال85
جريدة " الثورة " عدد 939 ، 12 جانفي 2026
www.revcom.us

كان س. كلارد كيسنجر منظّما و ناشطا و كاتبا و خطيبا بارزا منذ بدايات ستّينات القرن العشرين . في بدايات ستّينات القرن الماضي ، كان كلارك الأمين العام قوميّا ل" طلبة من أجل مجتمع ديمقراطي " ( SDS ) و قد نظّم أوّل مسيرة في واشنطن لإنهاء الحرب في الفيتنام ( 1965 ) . وهو شيوعي ثوري و من أنصار الشيوعيّة الجديدة التي طوّرها القائد الثوري بوب أفاكيان .
-----------------------------------------------
[...ٍ]
3- ولادة الشيوعيّة الجديدة لبوب أفاكيان :
و الشيء الأهمّ و الأكثر ديمومة النابع من ستّينات القرن الماضي هو الشيوعيّة الجديدة التي طوّرها بوب أفاكيان . فبوب أفاكيان هو مهندس الإطار الجديد لتحرير الإنسانيّة وهو ، دون شكّ ، كارل ماركس زمننا .
لقد مثّلت هزيمة الإشتراكيّة في الإتّحاد السوفياتي و الصين قضية كبرى بالنسبة إلى " أناس الستّينات " . إلاّ أنّ بوب أفاكيان أبا القبول بالإستنتاجات الإنتصاريّة لدعاة الرأسماليّة . و الآن يكون قد أمضلى خمسين سنة في البحث في ما جري عمليّا و قد دافع عن المكاسب الكبرى للثورتين الروسيّة و الصينيّة . لكن تاليا ، تعمّق في بحث ليس ما تمّ إنجازه بشكل إيجابي وحسب لكن أيضا في بحث لماذا إقتُرفت أخطاء ( و بعضها خطير جدّا ) . بأيّ منهج و مقاربة عالج قادة هذين المجتمعين الثوريّين الحرّيات و الضرورات التي واجهوها ؟ و كيف يمكن لنا اليوم القيام بذلك بصفة مغايرة و أفضل بكثير ؟
سأحاول عرض ما أرى أنّه بعض الإستنتاجات و النظرات الثاقبة الهامة لبوب أفاكيان ، لكن لا يجب على أحد أن يتّخذ ملاحظاتي على أنّها " موثوقة " و بالتأكيد لا تعوّض الحاجة العمليّة لقراءة الأعمال الأساسيّة لبوب أفاكيان .
ما يسلّط بوب أفاكيان عليه الضوء هو الإخفاق في أن يكونوا علميّين تماما ؛ و علميّين تعنى جعل أفكار المرء متناسبة مع الواقع و ليس مع التفكير الحالم . غالبا ما أسقطت شيوعيّة القرن العشرين ( " الشيوعيّة القديمة " ) في مقاربة كانت تقريبا دينيّة ، محلّة الإعتقاد في مكان الواقع . و مثال ساطع كان الزعم التيولوجي بأنّ الشيوعيّة حتميّة . الشيوعيّة ليست حتميّة؛ هي ممكنة ، و هناك قاعدة ماديّة لها ، غير أنّها ليست حتميّة .
أعتقد أنّ ما أذهلني أكثر من أيّ شيء آخر في عمل بوب أفاكيان هو فهمه للإشتراكية . فعدد كبير من الناس اليوم يعتقدون أنّ الدولة الإشتراكيّة دولة ذات " إقتصاد مختلط " فيه يتمّ تقييد الرأسماليّة بواسطة الديمقراطيّة التمثيليّة بينما تضمن الدولة أساس مستوى معيشة و رعاية طبّية للجميع .
و بالعكس ، شيّد أفاكيان أفكاره على فهم ماركس للإشتراكيّة بإعتبارها مرحلة إنتقاليّة تُعوّض دكتاتوريّة الطبقة الرأسماليّة بدكتاتوريّة الكادحين الذين لا ملكيّة لهم و حلفائهم . و الأهداف الواعية لهذه المرحلة الإنتقاليّة هي إقتصاد تحكمه الحاجيات الإجتماعيّة بدلا من سوق السلع ، و وضع نهاية لحاجة فئة من المجتمع إلى المسك بسلطة مؤسّساتيّة على البقيّة . و طريقة أخرى لوصف هذه الأهداف أكّدها ماركس على النحو التالي : إلغاء كلّ الإختلافات الطبقيّة ، و كلّ علاقات الإنتاج التي تقوم عليها الإختلافات الطبقيّة ، و كلّ العلاقات الإجتماعيّة المتناسبة مع علاقات الإنتاج هذه ، و تثوير كلّ الأفكار المتناسبة مع هذه العلاقات الإجتماعيّة . لكن الحاجز دون تبنّى الجماهير الشعبيّة لهذا الفهم كان القمع المتواتر جدّا للتفكير النقديّ على يد الشيوعيّة القديمة . و بالعكس ، يدعو أفاكيان لمجتمع إشتراكي فيه مساحة للإختلاف و " هواء " يتنفّسه الناس . و فيما يقع الإحتفاظ بسلطة الدولة ضد أيّ محاولات عنيفة لإعادة تركيز الرأسماليّة ، فإنّ سلطة الدولة الإشتراكيّة توصف كأفضل ما توصف بإمتلاكها لبّ صلب مع الكثير من المرونة . لا ينبغي للشيوعيّين لأبدا أن يخشوا الحقيقة و يتعيّن عليهم أن يشجّعوا المعارضة لأنّه يمكن التعلّم من كافة الحقائق .
و يشير أفاكيان إلى أنّ التناقضات يمكن أن تظهر بين الشعب و الدولة الإشتراكيّة . ففي حين من واجب الدولة الإشتراكيّة أن تحمي الشعب من الأعداء الخارجيّين و من أيّة إعادة تركيز بالقوّة للرأسماليّة ، من واجب الدولة الإشتراكيّة أيضا أن تحمي حقوق الشعب من الدولة نفسها . و ذات أهميّة خاصة هو تشديد أفاكيان على أن يقود الشيوعيّون الدولة بالأساس من خلال التأثير الإيديولوجي و السياسي و ليس من خلال السيطرة التنظيميّة . يجب على أعضاء الحزب الشيوعي أن يلتزموا بالقانون و بدستور الدولة الإشتراكيّة و لا يتمتّعون بأيّ إمتيازات خاصة لكونهم أعضاء في الحزب .
و على وجه الخصوص ، يدعو أفاكيان ليس إلى حقّ الناس في نقد الدولة و حتّى الدعوة إلى إعادة تركيز الرأسماليّة ، و إنّما أبعد من ذلك ، يتعيّن على الدولة جزئيّا أن تموّل مثل هذا النقد و كذلك تموّل الدفاع القانونيّ عن الأشخاص الذين تتبعهم الدولة قانونيّا بذات الدرجة التي تموّل الدولة تتبّعهم القانونيّ . و هذا مفهوم للحقوق القانونيّة لم تتجرّأ و لا دولة رأسماليّة أبدا على تبنّيه .
و أيضا نقد أفاكيان بشدّة الأفكار القائلة بأنّ للحقيقة أساس طبقيّ ( بدلا من كون الحقيقة موضوعيّة ) و أنّ للشغّالين و المضطهَدين تقبّل خاص للحقيقة ببساطة بفضل كونهم مستغَلّين و مضطهدين . و من هنا جاءت الفكرة الخاطئة بأنّ مجرّد وضع الشغّالين في موقع السلطة ، بدلا من النضال لتميكن كافة المجتمع من فهم أعمق لطريق المجتمع الخالي من الطبقات، سيحلّ المشاكل .
و مثال آخر من التحليل الخاطئ في الشيوعيّة القديمة هو فكرة أنّ قاعدة الشيوعيّة هي الوفرة الماديّة ، و منه أتت فكرة أنّ الدولة الإشتراكيّة بوسعها ببساطة لأن " تنتج طريقها إلى الشيوعيّة " . ثمّة مستوى معيّن من الوفرة لازم لإيجاد إقتصاد شيوعي لكن الحاجة الأساسيّة هي تغيير تفكير الناس و العلاقات الإجتماعيّة – و ليست كمّية الثروة الماديّة المتوفّرة .
و الشيوعيّة القديمة لم تبل دائما البلاء الحسن في ما يتّصل بقضايا الأمميّة . هدف الثورة الشيوعيّة ليس تحسين حياة شعب في بلد معطى و إنّما بالأحرى التحرير العالمي للإنسانيّة من عراقيل رأس المال . و مثلما وضع ذلك أفاكيان ، المهمّة الرئيسيّة لبلد شيوعي هي أن يكون قاعدة إرتكاز للثورة العالميّة . و مع ذلك ، غالبا ما سقط قادة شيوعيّون في القوميّة و ركّزوا إهتماماتهم على مصالح بلدهم الخاص .
و فضلا عن ذلك ، ثمّة إخفاق جدّي في الكوامن الأخلاقيّة للشيوعيّة و طريق بلوغها . الشيوعيّة الجديدة لبوب أفاكيان بصرامة تتمسّك بأنّ الغايات لا تبرّر الوسائل . لا يمكن إقتراف الجرائم على أساس أنّها ستقرّبنا من الشيوعيّة . بالأحرى ، وسائل الشيوعيّة يجب أن تنبع على الدوام من و تنسجم مع أهداف الشيوعيّة .
شأنه في ذلك شأن ماركس ، كان و لا يزال أفاكيان معلّقا غزير الكتابات على الأحداث الجارية و قد وفّر قيادة لا تقدّر بثمن. و بالأخصّ ، طوال الأربعين سنة الماضية قد وثّق و حذ{ من صعود القوميّة و الفاشيّة المسيحيّة في بلده . ( أنظروا " أعمال بوب أفاكيان حول الفاشيّة : 1996-2025 " ، جريدة " الثورة " https://www.revcom.us ). يمكن أن تكون عذر الناس في ألمانيا أنّه " ما من أحد كان بمقدوره رؤية ما كان يتمّ تحضيره " . و الناس في هذه البلاد ليس بوسعهم الركون إلى ذلك العذر .
و في الوقت نفسه ، نظر أفاكيان بعمق أكبر بكثير في طريق الثورة في البلدان الرأسماليّة المتطوّرة ، و الميل القاتل حتّى لأفضل الناس نوايا نحو المبالغة بقوّة الضرورة و استخفاف بالحرّية الموجودة لتغيير هذه الضرورة – و في نهاية المطاف يؤدّى بهم الأمر إلى إمّا التنكّر لإمكانيّة الثورة أو مجرّد الجلوس و إنتظارها . و بدلا من ذلك ، ما هناك حاجة إليه هو تحليل حيويّ لخطوط حدود المجتمع القائم و الميول المستمرّة نحو حدود الممكن بهدف ملموس في الذهن : التسريع بإيجاد وضع ثوريّ .
و من المهمّ فهم أنّ مجمل أعمال أفاكيان ليست إضافة ، تحسين ، أو تطبيق خاص للماركسيّة . بالأحرى هي قفزة نوعيّة في العلم نفسه ، يمكن مقارنتها بالقفزة التي أنجزها ماركس . ففي زمن ماركس ، عزّزت الرأسماليّة سلطة الدولة في أمريكا و الدول الكبرى لأوروبا و كانت تتوسّع عبر الكوكب مثل سرطان خبيث و ليس للإنسانيّة شيء لمواجهته بإنقاذ الديمقراطيّة البرجوازيّة ، و النقابويّة أو المفاهيم الخياليّة للإشتراكيّة ، عادة مستندة على الدين . و قد غيّر ماركس كلّ ذلك بشرح علميّ للنظام الرأسمالي و ما يجب القيام به للقضاء عليه .
و اليوم ، مع إلحاق الهزيمة بالثورات الكبرى للقرن العشرين ، وعولمة الإنتاج الرأسمالي ، و التهديد البيئي الوجودي للكوكب ، الإنتشار العالمي للحركات الفاشيّة ، الأدوات القديمة لليبراليّة البرجوازيّة و الحركات العمّاليّة الديمقراطيّة – الإشتراكيّة ، و حتّى أفضل أفكار الشيوعيّة القديمة ، تبيّن أنّها تماما غير مناسبة للتحدّيات التي تواجه الإنسانيّة . عند هذه النقطة ، تقدّم بوب أفاكيان ليعالج ما يجب القيام به لكن بمنهج و مقاربة مغايرين نوعيّا و أكثر رسوخا علميّا و قائمين على الأدلّة . لقد منح أفاكيان الإنسانيّة أدوات تحقيقها لقفزتها الكبرى التالية .
مثل ماركس في زمنه ، أفاكيان وجه مثير للجدل . فقد إعتُبر ماركس دغمائيّا و فئويّا من قبل إصلاحيّي وقتذاك . و لتكوين فكرة عن ذلك ، ينبغي أن يشاهد الناس شريط رؤول باك " كارل ماركس الشاب " / The Young karl Marx. و مع ذلك مثل العلماء الكبار الآخرين قبله و بعده ، دلّلت النظرات الثاقبة لماركس أنّها أساسا صحيحة و أصبحت في آن معا تشكّل فهمنا للعالم الواقعي و تغيّر مجرى التاريخ .
و قد كنت شاهدا على تطوّر هذا طوال عديد السنوات الآن ، بوسعي أن أقول إنّه إن كنتم جدّيين بشأن تحرير الإنسانيّة حالئذ عليكم أن تصبحوا من طلبة بوب أفاكيان . و يتعيّن عليّ أن أقرّ أنّني كطالب لدي أفاكيان ، كنت عادة أصل متأخّرا للدرس و لم أحصل دائما على أعداد جيّدة . لكنّني لم أتخلّى أبدا عن المدرسة . يملك الثوريّون الشبّان اليوم التفكير الثوريّ الأكثر تقدّما في العالم بين أيديهم و كامل زمن حياتهم أمامهم – و لديّ بعدُ 15 سنة أخرى لبلوغ سنّ المائة . معا ، لنركض نحو تجاوز العراقيل !
و ثمّة الكثير و الكثير بالإمكان قوله ، لكن أشجّع الناس على التعمقّ في عديد أعمال بوب أفاكيان و منها " الشيوعيّة الجديدة " و " دستور الجمهوريّة الإشتراكيّة الجديدة في شمال أمريكا " و " إختراقات ... " .
[ ... ]