العدوان الإمبريالي الأمريكي على جمهورية فنزويلا البوليفارية تعبير عن الأزمة البنيوية الخطيرة للرأسمال المالي الاحتكاري الأمريكي في ظل التحولات الجيوسياسية في العالم.


جمال براجع
2026 / 1 / 17 - 20:49     



لا يمكن فهم العدوان الإمبريالي الأمريكي على جمهورية فنزويلا البوليفارية فجر يوم السبت 3 يناير 2026 واختطاف رئيسها الشرعي نيكولاس مادورو خارج وزوجته خارج سياق لحظة الاختناق الحاد للاقتصاد الأمريكي من جراء الأزمة البنيوية العميقة والمتفاقمة التي تعرفها الرأسمالية الأمريكية المترنحة في دوامة ركود وكساد اقتصادي ومالي كبير وعجز مالي وأزمة ديون متراكمة تتجاوز 34 تريليون دولار وتراجع ملحوظ للدولار كعملة بدأت تفقد مركزيتها وقيمتها في التجارة والادخار على الصعيد العالمي بسبب لجوء العديد من الدول، وخصوصا الصاعدة منها، إلى:
-الاعتماد على عملات بديلة للدولار (التعامل بالعملات الوطنية في التبادل التجاري سواء بين الدول أو المجموعات الدولية مثل مجموعة "لبريكس" التي بدأت عمليا في تنفيذ اتفاقها على إنهاء التعامل بالدولار ( تمثل المجموعة 44./. من إنتاج النفط العالمي+20 ./. من التجارة العالمية +40./. من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنة 2025 + أكثر من نصف براءات الاختراع المسجلة عالميا بين 2009 و2023) بالإضافة إلى العملات الرقمية (الرنمينبي الصيني مثلا) مما يعني بداية نهاية هيمنة الدولار على الأسواق التجارية والمالية الدولية وخاصة أسواق الطاقة وهو ما يهدد نظام" البترودولار" المهيمن على هذه الأسواق منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، ويضعف الإقبال على الدولار كعملة مهيمنة على الادخار والاحتياطات المالية للدول والمؤسسات المالية وعلى المعاملات التجارية والمالية الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
- اللجوء إلى اعتماد أنظمة بديلة للتحويلات والمعاملات المالية العابرة للحدود للتحرر من هيمنة نظام " السويفت" الأمريكي مما يعني تجريد الولايات المتحدة من أهم سلاح اقتصادي جيوسياسي، إلى جانب الدولار، للتحكم في التدفقات والسيولة المالية على الصعيد العالمي، وبالتالي في الاقتصاد العالمي، وفرض العقوبات الاقتصادية والمالية على الدول والكيانات الاقتصادية المنافسة أو المغضوب عليها عبر العالم لضمان استمرار هيمنتها وقيادتها للعالم، بما فيها تجميد الأصول السيادية لدول مثل روسيا وفنزويلا وإيران ( تجميد 300 مليار دولار من الأصول الروسية).
إننا، إذن، أمام تحول عميق، بوتيرة تدريجية لكن متصاعدة، يتجه على المستوى الاستراتيجي نحو تأسيس نظام مالي ونقدي جديد تقوده الصين في اتجاه تقعيد نظام اقتصادي متعدد الأقطاب ينهي الهيمنة الاقتصادية المالية للولايات المتحدة الأمريكية وبالتالي احتكارها للقرار السياسي والاقتصادي العالمي.
كما لا يمكن فهم العدوان الأمريكي على فنزويلا خارج التصور الجيوسياسي للإدارة الأمريكية الفاشية بقيادة الرئيس ترامب والذي تعكسه "استراتيجية الأمن القومي الجديدة". فهذه الاستراتيجية تعيد تعريف معنى الأمن القومي الأمريكي خارج ضوابط وقواعد العولمة اللبيرالية التقليدية والنظام الدولي القديم (القوانين والمواثيق الدولية، الأمم المتحدة ومؤسساتها، حلف النيتو...) الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية تحت إشراف الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، والذي أصبح عائقا أمام المصالح الأمريكية في العالم، ولا يخدم استمرار الهيمنة الأمريكية في ظل صعود قوى اقتصادية جديدة، وعلى رأسها الصين، عرفت كيف تستغل العولمة الليبرالية ومنظمة التجارة العالمية لتكتسح الأسواق العالمية بما فيها أسواق أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية.
وتتأطر استراتيجية الأمن القومي الجديدة بالشعار الترامبي" أمريكا أولا" أو" أمريكا العظمى مرة أخرى". وهو شعار يكثف ويعكس التوجه الاستعماري الفاشي الترامبي الذي يشتغل خارج أية ضوابط سياسية أو قانونية أو أخلاقية، سواء داخل الولايات المتحدة حيث تتم عسكرة المدن تحت ذريعة ملاحقة المهاجرين غير الشرعيين وطردهم والإجهاز على الحقوق المدنية وتهميش المؤسسات الدستورية والقوانين لفائدة ديكتاتورية سافرة للرئيس ترامب، أو خارجيا عبر سياسة القوة والعدوان على الدول المناهضة والمعارضة للسياسات الامبريالية الأمريكية وحصارها وفرض العقوبات عليها والتدخل السافر في شؤونها الداخلية كإيران وكوبا وكولومبيا والمكسيك ... والإطاحة بأنظمتها كما وقع في سوريا، وكما يجري التحضير له في إيران. ولم تسلم من هذا التغول الامبريالي حتى حلفاء الولايات المتحدة مثل كندا التي هدد ترامب بضمها والدانمارك التي هدد بضم جزيرتها كرينلاند.
إن الهدف الأساسي من هذه الاستراتيجية الجديدة، إذن، هو إعادة بناء الهيمنة الأمريكية الشاملة اعتمادا على القوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية بما يمكن الشركات الاحتكارية الأمريكية من السيطرة على الأسواق والموارد الاستراتيجية وخاصة النفط والمعادن النادرة في ظل المنافسة القوية للصين التي تمكنت خلال العقود الأخيرة من تحقيق تطور اقتصادي وتكنولوجي وعلمي قوي ومتصاعد، واكتساح كبير للأسواق العالمية سواء على مستوى التجارة أو على مستوى الاستثمارات المالية الضخمة لربط الصين بالعالم في إطار المشروع الصيني الاستراتيجي " الحزام والطريق". هذا التطور والاكتساح الصيني ( 31./. من الإنتاج الصناعي -42./. من سلاسل التوريد المتقدمة-فائض تجاري قياسي 1،2 تريليون دولار سنة 2025) أصبح يهدد بإزاحة الولايات المتحدة من عرش التفوق الاقتصادي والتكنولوجي وقيادة العالم خلال العقود المقبلة. وهو ما يعتبره ترامب تهديدا وجوديا حقيقيا يجب مواجهته بكافة الوسائل دون الدخول في حرب عسكرية مباشرة مع الصين، بل عبر الحرب التكنولوجية والجمركية والتجارية لخنق تجارتها واستثماراتها والإطاحة بالأنظمة الصديقة لها.
وفي هذا السياق يأتي تفعيل مبدأ "مونرو" الاستعماري، بصيغته الجديدة، في أمريكا اللاتينية ( غرب الكرة الأرضية)، التي تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية مجالها الحيوي التاريخي، عبر العدوان على فنزويلا للإطاحة بنظامها الوطني، وتهديد كوبا وكولومبيا والمكسيك وغيرها، ودعم الأنظمة والتوجهات اليمينية الفاشية بالقارة.
فالعدوان العسكري الأمريكي على فنزويلا، إذن، ليس معزولا عما يشهده العالم من تحولات جيوسياسية عميقة تجد أساسها المادي فيما يعيشه نمط الإنتاج الرأسمالي في دول الغرب الإمبريالي، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، من أزمة بنيوية متفاقمة بسبب الميل المتواصل لمعدل الربح نحو الانخفاض وتهافت "الاقتصاد الوهمي" كتعبير عن أزمة الرأسمال المالي الاحتكاري الإمبريالي الذي يتجه نحو الفاشية على المستوى السياسي والعسكري.
إن صعود اليمين الفاشي في الولايات المتحدة الأمريكية ونهج إدارة ترامب السياسة الإمبريالية "العارية" هو تعبير وإجابة سياسية وإيديولوجية على أزمة هذا الرأسمال المالي الاحتكاري وأداة لتدبير تناقضاته البنيوية لتجنب انفجارها.
مما يجعل مواجهة الامبريالية، وعلى رأسها الإمبريالية الأمريكية، كتناقض رئيسي في المرحلة الحالية، ضرورة تاريخية بالنسبة للشعوب وقواها التحررية والثورية والدول الوطنية المناهضة للإمبريالية. وهذا ما يستدعي تعبئة الشعوب والطبقة العاملة عبر العالم للنضال ضد الغطرسة الامريكية وأدواتها وعلى رأسها الكيان الصهيوني والأنظمة الاستبدادية الرجعية العميلة، وتكثيف الجهود والتعاون والنضال من أجل بناء جبهة عالمية ضد الإمبريالية.